سيد محمد طنطاوي

206

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

روحه التراقي ، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه . ومَنْ اسم استفهام مبتدأ . وراقٍ خبره ، وهو اسم فاعل من الرّقية ، وهي كلام يقوله القائل ، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض . والمراد به هنا : مطلق الطبيب الذي يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر . أي : اذكروا - أيها الناس - وقت بلوغ الروح نهايتها ، ووقت أن وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء اللَّه - تعالى - وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم ، أن يتقدم لإنقاذه مما هو فيه من كرب ، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آمالهم . قال الآلوسي : قوله وقِيلَ مَنْ راقٍ أي : وقال من حضر صاحبها ، من يرقيه وينجيه مما هو فيه ، من الرقية ، وهو ما يستشفى به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك ، ولعله أريد به مطلق الطبيب ، أعم من أن يطب بالقول أو بالفعل . . والاستفهام عند البعض حقيقي . وقيل : هو استفهام استبعاد وإنكار . أي : قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه . وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت . أي : أيكم يرقى بروحه ، أملائكة الرحمة ، أم ملائكة العذاب ، من الرقى وهو العروج . والاستفهام عليه حقيقي . ووقف حفص رواية عن عاصم على مَنْ وابتدأ بقوله : راقٍ وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة ، فسكت سكتة لطيفة ، لتشعر أنهما كلمتان « 1 » . والضمير المستتر في قوله - تعالى - : * ( وظَنَّ أَنَّه الْفِراقُ ) * يعود إلى هذا الإنسان الذي أشرف على الموت ، والذي بلغت روحه نهاية حياتها ، والظن هنا بمعنى اليقين ، أو بمعنى العلم المقارب لليقين . أي : وأيقن هذا المحتضر ، أو توقع أن نهايته قد اقتربت ، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه . . . وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس للحساب . وقوله - تعالى - : * ( والْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) * أي : والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى . عند سكرات الموت وشدته ، فصارتا متلاصقتين لا تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى ، فكأنهما ملتفتان . ويصح أن يكون المعنى : والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذي أدركه الموت في كفنه ، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده ، والتصقت كل ساق بالأخرى .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 146 .