سيد محمد طنطاوي

192

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

صحفا مفتوحة ، وكتبا غير مطوية ، بحيث يقرؤها كل من يراها . وفيها الأمر من اللَّه - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى اللَّه عليه وسلم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُه . . . وقوله - سبحانه - * ( كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ) * إبطال آخر لكلامهم ، وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف . أي : كلا ليس الأمر كما أرادوا وزعموا بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، لأنهم لو كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة المتعنتة . . وقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( كَلَّا إِنَّه تَذْكِرَةٌ ) * زجر آخر مؤكد للزجر السابق . أي : كلا ثم كلا ، لن نمكنهم مما يريدون ، ولن نستجيب لمقترحاتهم السخيفة . . لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافي ، والوعظ الشافي ، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك . فالضمير في * ( إِنَّه ) * يعود إلى القرآن ، لأنه معلوم من المقام ، والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم الذي اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة من عند اللَّه - تعالى - تأمرهم باتباع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . . وقوله - سبحانه - : * ( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَه ) * تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه ، أو عقل يعقل . أي : إن القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق ، وما يهديه إلى الخير والرشد ، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع ، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه . . فعل ذلك ، وظفر بما يسعده ، ويشرح صدره . والتعبير بقوله - تعالى - * ( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَه ) * يشعر بأن تذكر القرآن وحفظه . والعمل بأحكامه وإرشاداته . . في إمكان كل من كان عنده الاستعداد لذلك . أي : إن التذكر طوع مشيئتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين وصادقين ومستعدين لهذا التذكر ، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد . . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال : * ( وما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ، هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) * . أي : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك ، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ . لا يتم بمجرد مشيئتكم ، وإنما يتم في حال مشيئة اللَّه - تعالى - وإرادته ، فهو