سيد محمد طنطاوي

191

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم لجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية في الضخامة والقوة . من القسر بمعنى القهر . أي : ما الذي حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه . . حتى لكأنهم - في شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها ؟ . قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - في إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت في نفارها مما أفزعها . وفي تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما في قوله - تعالى - : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها في العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، في وصف الإبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص . . « 1 » . والتعبير بقوله : * ( فَما لَهُمْ . . . ) * وما يشبهه قد كثر استعماله في القرآن الكريم ، كما في قوله - تعالى - : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . . . والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم . . مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك . وقال - سبحانه - * ( عَنِ التَّذْكِرَةِ ) * بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شيء يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل . وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ) * معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام ، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة . والصحف : جمع صحيفة ، وهي ما يكتب فيها . ومنشره : صفة لها والمراد بها : الصحف المفتوحة غير المطوية . بحيث يقرؤها كل من رآها . وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية : أن المشركين قالوا للرسول صلى اللَّه عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء ، عنوانه : من رب العالمين ، إلى فلان بن فلان ، نؤمر في هذا الكتاب باتباعك . أي : إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن . . بل يريد كل واحد منهم أن يعطى

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 656 .