سيد محمد طنطاوي

190

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كَذلِكَ نَسْلُكُه فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِه وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال : * ( قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ . وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ) * . أي : قال المجرمون لأصحاب اليمين : الذي أدى بنا إلى الإلقاء في سقر ، أننا في الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا ، ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء ، بل بخلنا عليه ، وحرمناه حقوقه . . وكنا - أيضا - في الدنيا نخوض في الأقوال السيئة وفي الأفعال الباطلة مع الخائضين فيها ، دون أن نتورع عن اجتناب شيء منها . وأصل الخوض : الدخول في الماء ، ثم استعير للجدال الباطل ، وللأحاديث التي لا خير من ورائها . وكنا - أيضا - نكذب بيوم القيامة ، وننكر إمكانه ووقوعه ، وبقينا على هذا الإنكار والضلال * ( حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ) * أي : حتى أدركنا الموت ، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به . فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإلقاء بهم في سقر لم يكن على سبيل الظلم لهم ، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإطعام ، وتعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال ، وتكذيبهم بيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء . وقوله - سبحانه - : * ( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ) * حكم منه - سبحانه - عليهم بحرمانهم ممن يشفع لهم أو ينفعهم . أي : أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم ، فيما لو تقدم أحد للشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير ، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم من المسلمين . والاستفهام في قوله : * ( فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) * للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذي دعاهم إليه نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم . والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمراد به الحمار الوحشي المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له . وقوله : * ( مُسْتَنْفِرَةٌ ) * أي : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .