سيد محمد طنطاوي
189
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( رَهِينَةٌ ) * خبر عن * ( كُلُّ نَفْسٍ ) * ، وهو بمعنى مرهونة . أي : كل نفس مرهونة عند اللَّه - تعالى - بكسبها ، مأخوذة بعملها ، فإن كان صالحا أنجاها من العذاب ، وإن كان سيئا أهلكها ، وجعلها محلا للعقاب . قالوا : وإنما كانت مرهونة ، لأن اللَّه - تعالى - جعل تكليف عباده كالدّين عليهم ، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره ، فهي مرهونة ، فمن وفي دينه الذي كلف به ، خلص نفسه من عذاب اللَّه - تعالى - الذين نزل منزلة علامة الرهن ، وهو أخذه في الدين ، ومن لم يوف عذب . « 1 » والاستثناء في قوله * ( إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ) * استثناء متصل أي أن كل نفس مرهونة بعملها . . إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنين الصادقون فإنهم مستقرون * ( فِي جَنَّاتٍ ) * عالية * ( يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) * أي : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين . وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم ، فإذا ما رأوهم سألوهم بقولهم . * ( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) * أي : قال أصحاب اليمين للمجرمين : ما الذي أدخلكم في سقر ، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها ؟ والسؤال إنما هو على سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين . وعبر - سبحانه - بقوله : * ( ما سَلَكَكُمْ . . . ) * للإشعار بأن الزج بهم في سقر ، كان بعنف وقهر ، لأن السلك معناه : إدخال شيء بصعوبة وقسر ، ومنه قوله - تعالى - :
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 443 .