سيد محمد طنطاوي
184
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) * بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد . . والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان . تقول : فتنت الذهب بالنار ، أي : اختبرته بها ، لتعلم جودته من رداءته . وقوله : * ( إِلَّا فِتْنَةً ) * مفعول ثان لقوله * ( جَعَلْنا ) * والكلام على حذف مضاف . . أي : وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر ، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا ، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار جحودا وضلالا ، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزؤا بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم عندما قرأ عليهم القرآن ، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا . . قال الإمام الرازي : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين : الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم لا يكونون عشرين - بدلا من تسعة عشر - وما المقتضى لتخصيص هذا العدد ؟ . والثاني أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل ، كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس . . ؟ وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض ، وأفعال اللَّه - تعالى - لا تعلل ، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو - سبحانه - . وأجيب عن الثاني : بأنه لا يبعد أن اللَّه - تعالى - يعطى ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك ، فقد اقتلع جبريل وحده . مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ، ورفعها إلى السماء . . ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها . . - وأيضا - فأحوال القيامة ، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس للعقل فيها مجال . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً . . . ) * علة أخرى ، لذكر هذا العدد . والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء للمبالغة . أي : وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ، بأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، إذ أن الكتب السماوية التي بين أيديهم قد ذكرت هذا العدد . كما ذكره القرآن الكريم ، وإلا ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، بصدق نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم ، إذ أن الإخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من شأنها أن تجعل الإيمان في قلوب المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي .