سيد محمد طنطاوي
185
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) * أي : يعلمون أن هذا الرسول حق ، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله . . « 1 » . وقال الآلوسي : وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال : قال ناس من اليهود ، لأناس من المسلمين : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم ؟ فأخبروا بذلك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « هكذا وهكذا » في مرة عشرة . وفي مرة تسعة . وقال الآلوسي : واستشعر من هذا أن الآية مدنية ، لأن اليهود إنما كانوا فيها ، وهو استشعار ضعيف ، لأن السؤال لصحابي فلعله كان مسافرا فاجتمع بيهودي حيث كان . . - وأيضا - لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والْمُؤْمِنُونَ ) * معطوف على قوله : * ( لِيَسْتَيْقِنَ . . ) * وهو مؤكد لما قبله ، من الاستيقان وازدياد الإيمان ، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة . أي : فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى اللَّه عليه وسلم وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم . ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب ، وعلى قلوب المؤمنين . . وقوله - سبحانه - : * ( ولِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّه بِهذا مَثَلًا ) * بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر . أي : ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وإلا ليزداد الذين آمنوا إيمانا ، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا ليقول الذين في قلوبهم مرض ، أي : شك وضعف إيمان ، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب : ما الأمر الذي أراده اللَّه بهذا المثل ، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر ؟ فالمقصود بالاستفهام في قوله - تعالى - : * ( ما ذا أَرادَ اللَّه بِهذا مَثَلًا ) * الإنكار . والإشارة بهذا مرجعها إلى قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) * وقوله : * ( مَثَلًا ) * حال من اسم الإشارة ، والمراد به العدد السابق . وسموه مثلا لغرابته عندهم . أي : ما الفائدة في أن تكون عدة خزنة سقر تسعة عشر ، وليسوا أكثر أو أقل ؟ وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - تعالى - .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ص 8 ص 294 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 127 .