سيد محمد طنطاوي

177

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وزيادة غيظهم ، وبين بشارة المؤمنين وتسليتهم . ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا . كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة زعيم من زعماء المشركين . افترى الكذب على اللَّه - تعالى - وعلى رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فكانت عاقبته العذاب المهين ، فقال - تعالى - : * ( ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وجَعَلْتُ لَه مالًا مَمْدُوداً . وبَنِينَ شُهُوداً . ومَهَّدْتُ لَه تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا . . . ) * . وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في شأن الوليد بن المغيرة المخزومي ، وذكروا في ذلك روايات منها : أن المشركين عندما اجتمعوا في دار الندوة ، ليتشاوروا فيما يقولونه في شأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج . فقال بعضهم : هو شاعر ، وقال آخرون بل هو كاهن . . أو مجنون . . وأخذ الوليد يفكر ويرد عليهم ، ثم قال بعد أن فكر وقدر : ما هذا الذي يقوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم إلا سحر يؤثر ، أما ترونه يفرق بين الرجل وامرأته ، وبين الأخ وأخيه . . « 2 » . قال الآلوسي : نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي ، كما روى عن ابن عباس وغيره . بل قيل : كونها فيه متفق عليه . . وقوله : * ( وَحِيداً ) * حال من الياء في * ( ذَرْنِي ) * أي : ذرني وحدي معه فأنا أغنيك في الانتقام منه ، أو من التاء في خلقت أي : خلقته وحدي ، لم يشركني في خلقه أحد ، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ناصر في إهلاكه ، أو من الضمير المحذوف العائد على « من » أي : ذرني ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد . . وكان الوليد يلقب في قومه بالوحيد . . لتفرده بمزايا ليست في غيره - فتهكم اللَّه - تعالى - به وبلقبه ، أو صرف هذا اللقب من المدح إلى الذم « 3 » . أي : اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان ، واتركني وهذا الذي خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ثم أعطيته الكثير من النعم ، فلم يشكرني على ذلك . والتعبير بقوله * ( ذَرْنِي ) * للتهديد والوعيد ، وهذا الفعل يأتي منه الأمر والمضارع فحسب ، ولم يسمع منه فعل ماض . وقوله : * ( وجَعَلْتُ لَه مالًا مَمْدُوداً ) * أي : وجعلت له مالا كثيرا واسعا ، يمد بعضه بعضا ،

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 647 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 292 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 122 .