سيد محمد طنطاوي

178

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقوله : * ( مَمْدُوداً ) * اسم مفعول من « مدّ » الذي بمعنى أطال بأن شبهت كثرة المال ، بسعة مساحة الجسم . أو من « مدّ » الذي هو بمعنى زاد في الشيء من مثله ، ومنه قولهم : مد الوادي النهر ، أي : مده بالماء زيادة على ما فيه . قالوا : وكان الوليد من أغنى أهل مكة ، فقد كانت له أموال كثيرة من الإبل والغنم والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال . * ( وبَنِينَ شُهُوداً ) * أي : وجعلت له - بجانب هذا المال الممدود - أولادا يشهدون مجالسه ، لأنهم لا حاجة بهم إلى مفارقته في سفر أو تجارة ، إذ هم في غنى عن ذلك بسبب وفرة المال في أيدي أبيهم . فقوله : * ( شُهُوداً ) * جمع شاهد بمعنى حاضر ، وهو كناية عن كثرة تنعمهم وائتناسه بهم . قيل : كانوا عشرة ، وقيل ثلاثة عشر ، منهم : الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام ، والعاصي ، وعبد شمس . وقد أسلم منهم ثلاثة ، وهم : خالد ، وهشام ، وعمارة . « 1 » * ( ومَهَّدْتُ لَه تَمْهِيداً ) * والتمهيد مصدر مهد ، بمعنى سوى الشيء ، وأزال منه ما يجعله مضطربا متنافرا ، ومنه مهد الصبى . أي : المكان المعد لراحته . والمراد بالتمهيد هنا : تيسير الأمور ، ونفاذ الكلمة ، وجمع وسائل الرياسة له . أي : جعلت له مالا كثيرا ، وأولادا شهودا ، وفضلا عن ذلك ، فقد هيأت له وسائل الراحة والرياسة تهيئة حسنة ، أغنته عن الأخذ والرد مع قومه ، بل صار نافذ الكلمة فيهم بدون عناء أو تعب . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أن اللَّه - تعالى - قد أعطى الوليد بن المغيرة ، جماع ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة ، فقد أعطاه المال الوفير ، والبنين الشهود ، والجاه التام الذي وصل إليه بدون جهد أو تعب . وقوله - سبحانه - : * ( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) * بيان لما جبل عليه هذا الإنسان من طمع وشره . . أي : مع إمدادى له بكل هذه النعم ، هو لا يشبع ، بل يطلب المزيد منها لشدة حرصه وطمعه . و « ثم » هنا للاستبعاد والاستنكار والتأنيب ، فهي للتراخي الرتبى ، والجملة

--> ( 1 ) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 437 .