سيد محمد طنطاوي
176
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال الحسن البصري : لا تمنن بعملك على ربك تستكثره ، وعن مجاهد : لا تضعف أن تستكثر من الخير . وقال ابن زيد : لا تمنن بالنبوة على الناس : تستكثرهم بها ، تأخذ على ذلك عوضا من الدنيا . فهذه أربعة أقوال ، والأظهر القول الأول - المروي عن ابن عباس وغيره - « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) * أي : وعليك - أيها الرسول الكريم - أن توطن نفسك على الصبر ، على التكاليف التي كلفك بها ربك ، وأن تتحمل الآلام والمشاق في سبيل دعوة الحق ، بعزيمة صادقة ، وصبر جميل ، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف . فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلي بالعقيدة السليمة ، والأخلاق الكريمة . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال : * ( فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ) * . والفاء في قوله : * ( فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) * للسببية . والناقور - بزنة فاعول : من النقر ، وهو اسم لما ينقر فيه ، أي : لما ينادى فيه بصوت مرتفع . والمراد به هنا : الصور أو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل بأمر اللَّه - تعالى - النفخة الثانية التي يكون بعدها الحساب والجزاء . والفاء في قوله : * ( فَذلِكَ ) * واقعة في جواب * ( فَإِذا ) * واسم الإشارة يعود إلى مدلول النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء . وقوله * ( يَوْمَئِذٍ ) * بدل من اسم الإشارة . والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله : * ( عَسِيرٌ ) * و * ( غَيْرُ يَسِيرٍ ) * صفتان لليوم . أي : أنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وبلغهم رسالة ربك ، واصبر على أذى المشركين ، فإنه إذا نفخ إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية ، صار ذلك النفخ وما يترتب عليه من أهوال ، وقتا وزمانا عسير أمره على الكافرين ، وغير يسير وقعه عليهم . ووصف اليوم بالعسير ، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب من هولها الولدان . وقوله : * ( غَيْرُ يَسِيرٍ ) * تأكيد لمعنى * ( عَسِيرٌ ) * كما يقال : هذا أمر عاجل غير آجل . قال صاحب الكشاف فإن قلت : ما فائدة قوله : * ( غَيْرُ يَسِيرٍ ) * وقوله : * ( عَسِيرٌ ) * مغن عنه ؟ قلت : لما قال * ( عَلَى الْكافِرِينَ ) * فقصر العسر عليهم قال : * ( غَيْرُ يَسِيرٍ ) * ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ، ليجمع بين وعيد الكافرين
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 290 .