سيد محمد طنطاوي

175

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من العادات . يقال : فلان طاهر الثياب ، وطاهر الجيب والذيل والأردان ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ومدانس الأخلاق . ويقال : فلان دنس الثياب : للغادر - والفاجر - ، وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان ، ويشتمل عليه . . « 1 » . وسواء أكان المراد بالثياب هنا معناها الحقيقي ، أو معناها المجازى المكنى به عن النفس والذات ، فإن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان مواظبا على الطهارة الحسية والمعنوية في كل شؤونه وأحواله ، فهو بالنسبة لثيابه كان يطهرها من كل دنس وقذر ، وبالنسبة لذاته ونفسه ، كان أبعد الناس عن كل سوء ومنكر من القول أو الفعل . إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته ، لأنه لا يوجد ما يوجب حمله على غير ذلك . ثم أمره - سبحانه - بأمر رابع فقال : * ( والرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) * والأصل في كلمة الرجز أنها تطلق على العذاب ، قال - تعالى - : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوه ، إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ . والمراد به هنا : الأصنام والأوثان ، أو المعاصي والمآثم التي يؤدى اقترافها إلى العذاب . أي : وداوم - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من ترك عبادة الأصنام والأوثان ، ومن هجر المعاصي والآثام . فالمقصود بهجر الرجز : المداومة على هجره وتركه ، لأنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يلتبس بشيء من ذلك . ثم نهاه - سبحانه - عن فعل ، لا يتناسب مع خلقه الكريم صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) * والمن : أن يعطى الإنسان غيره شيئا ، ثم يتباهى به عليه ، والاستكثار : عد الشيء الذي يعطى كثيرا . أي : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تبذل الكثير من مالك وفضلك لغيرك ، ولا تظن أن ما أعطيته لغيرك كثيرا - مهما عظم وجل - فإن ثواب اللَّه وعطاءه أكثر وأجزل . . . ويصح أن يكون المعنى : ولا تعط غيرك شيئا ، وأنت تتمنى أن يرد لك هذا الغير أكثر مما أعطيته ، فيكون المقصود من الآية : النهى عن تمنى العوض . قال ابن كثير : قوله : * ( ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) * قال ابن عباس : لا تعط العطية تلتمس أكثر منها .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 645 .