سيد محمد طنطاوي
174
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والملاطفة من ربه ، كما تقدم في سورة المزمل . ومثله قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم لعلىّ إذ نام في المسجد « قم أبا تراب » . وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى اللَّه عنها - ، فسقط رداؤه وأصابه التراب . ومثله قوله صلى اللَّه عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق « قم يا نومان » « 1 » . والمراد بالقيام في قوله - تعالى - : قم فأنذر ، المسارعة والمبادرة والتصميم على تنفيذ ما أمره - سبحانه - به ، والإنذار هو الإخبار الذي يصاحبه التخويف . أي : قم - أيها الرسول الكريم - وانهض من مضجعك ، وبادر بعزيمة وتصميم ، على إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم ، إذا ما استمروا في كفرهم ، وبلغ رسالة ربك إليهم دون أن تخشى أحدا منهم ، ومرهم بأن يخلصوا له - تعالى - العبادة والطاعة . والتعبير بالفاء في قوله : * ( فَأَنْذِرْ ) * للإشعار بوجوب الإسراع بهذا الإنذار بدون تردد . وقال : فأنذر ، دون فبشر ، لأن الإنذار هو المناسب في ابتداء تبليغ الناس دعوة الحق حتى يرجعوا عما هم فيه من ضلال . ومفعول أنذر محذوف . أي : قم فأنذر الناس ، ومرهم بإخلاص العبادة للَّه . وقوله : * ( ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ) * أمر آخر له صلى اللَّه عليه وسلم ولفظ * ( ورَبَّكَ ) * منصوب على التعظيم لفعل * ( فَكَبِّرْ ) * قدم على عامله لإفادة التخصيص . أي : يا أيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحي ، لا تخف ، وقم فأنذر الناس من عذاب اللَّه ، إذا ما استمروا في شركهم ، واجعل تكبيرك وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده ، دون أحد سواه ، وصفه بما هو أهله من تنزيه وتقديس . والمراد بتطهير الثياب في قوله - تعالى - : * ( وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) * تطهيرها من النجاسات . والمقصود بالثياب حقيقتها ، وهي ما يلبسه الإنسان لستر جسده . . ومنهم من يرى أن المقصود بها ذاته ونفسه صلى اللَّه عليه وسلم أي : ونفسك فطهرها من كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم . وقال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : * ( وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) * أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات ، لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة ، ولا تصح إلا بها . وهي الأولى والأحب في غير الصلاة . وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 61 .