سيد محمد طنطاوي
156
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
معترض بين قوله - سبحانه - * ( قُمِ اللَّيْلَ . . . ) * وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ . . . ) * . والمراد بالقول الثقيل : القرآن الكريم الذي أنزله - سبحانه - على قلب نبيه صلى اللَّه عليه وسلم . ويشهد لثقل القرآن على النبي صلى اللَّه عليه وسلم أحاديث كثيرة ، منها : ما رواه الإمام البخاري من أن السيدة عائشة قالت : ولقد رأيته صلى اللَّه عليه وسلم ينزل عليه الوحي ، في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا . ومنها قوله صلى اللَّه عليه وسلم « ما من مرة يوحى إلى ، إلا ظننت أن نفسي تفيض » - أي : تخرج . . . ومنها قول زيد بن ثابت : أنزل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم شيء من القرآن - وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي - أي : تتكسر . . . ومنها ما رواه هشام بن عروة عن أبيه ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا أوحى عليه وهو على ناقته ، وضعت جرانها - أي باطن عنقها - فما تستطيع أن تتحرك ، حتى يسرّى عنه « 1 » . أي : قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه متعبدا لربك ، متقربا إليه بألوان الطاعات ، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا ، وهذا القول هو القرآن الكريم ، الثقيل في وزنه وفي ميزان الحق ، وفي أثره في القلوب ، وفيما اشتمل عليه من تكاليف ، وصدق اللَّه إذا يقول : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَه خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّه . . . قال الجمل : قوله : * ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) * أي : كلاما عظيما جليلا ذا خطر وعظمة ، لأنه كلام رب العالمين ، وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل . أو هو ثقيل لما فيه من التكاليف ، والوعد والوعيد ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام . قال قتادة : ثقيل واللَّه في فرائضه وحدوده . . . وقال محمد بن كعب : ثقيل على المنافقين ، لأنه يهتك أسرارهم . . . وقال السدى : ثقيلا بمعنى كريم ، مأخوذ من قولهم : فلان ثقل علىّ ، أي كرم على . . . وقال ابن المبارك : هو واللَّه ثقيل مبارك ، كما ثقل في الدنيا ، ثقل في الميزان يوم القيامة . وقيل : ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه ، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته . والفقهاء بحثوا في أحكامه . . . والأولى أن جميع هذه المعاني فيه .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 277 .