سيد محمد طنطاوي
157
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقيل : المراد بالقول الوحي ، كما في الخبر ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا أوحى إليه ، وهو على ناقته وضعت جرانها - أي : وضعت صدرها على الأرض - فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه . . . « 1 » . ويبدو لنا أن وصف القرآن بالثقل وصف حقيقي ، لما ثبت من ثقله على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقت نزوله عليه . . . وهذا لا يمنع أن ثقله يشمل ما اندرج فيه من علوم نافعة ، ومن هدايات سامية ، ومن أحكام حكيمة ، ومن آداب قويمة ، ومن تكاليف جليلة الشأن . وعبر - سبحانه - عن إيحائه بالقرآن إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالإلقاء للإشعار بأنه يلقى إليه على غير ترقب منه صلى اللَّه عليه وسلم ، بل ينزل إليه في الوقت الذي يريده - سبحانه - وللإشارة من أول الأمر إلى أن ما يوحى إليه شيء عظيم وشديد الوقع على النفس . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الحكمة من أمره له صلى اللَّه عليه وسلم بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة فقال : * ( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وأَقْوَمُ قِيلًا ) * . وقوله : * ( ناشِئَةَ ) * : وصف من النشء وهو الحدوث ، وهو صفة لموصوف محذوف . وقوله : * ( وَطْئاً ) * بمعنى مواطأة وموافقة ، وأصل الوطء : وضع الرجل على الأرض بنظام وترتيب ، ثم استعير للموافقة ، ومنه قوله - تعالى - لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّه ، ومنه قولهم : وطأت فلانا على كذا ، إذا وافقته عليه . وهو منصوب على التمييز . وقوله : * ( قِيلًا ) * بمعنى قولا . وقوله : * ( أَقْوَمُ ) * بمعنى أفضل وأنفع . والمعنى : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة . فإن العبادة الناشئة بالليل . هي أشد مواطأة وموافقة لإصلاح القلب ، وتهذيب النفس ، وأقوم قولا ، وأنفع وقعا ، وأفضل قراءة من عبادة النهار ، لأن العبادة الناشئة بالليل يصحبها ما يصحبها من الخشوع والإخلاص ، لهدوء الأصوات بالليل ، وتفرغ العابد تفرغا تاما لعبادة ربه . قال الشوكاني ما ملخصه : قوله : * ( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ . . . ) * أي : ساعاته وأوقاته ، لأنها تنشأ أولا فأولا ، ويقال : نشأ الشيء ينشأ ، إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شيء ، فهو ناشئ . . . قال الزجاج : ناشئة الليل ، كل ما نشأ منه ، أي : حدث منه . . . والمراد ساعات الليل الناشئة ، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف . وقيل : إن ناشئة الليل ، هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة ، أي : تنهض ، من
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 428 .