سيد محمد طنطاوي

155

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الرابع . . فإن آية سورة الإسراء وهي قوله - تعالى - : ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِه نافِلَةً لَكَ . . . تدل على أن وجوب التهجد قد بقي عليه صلى اللَّه عليه وسلم « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) * إرشاد له صلى اللَّه عليه وسلم ولأمته إلى أفضل طريقة لقراءة القرآن الكريم ، حتى يستمروا عليها ، وهم في أول عهدهم بنزول القرآن الكريم . والترتيل : جعل الشيء مرتلا ، أي : منسقا منظما ، ومنه قولهم : ثغر مرتل ، أي : منظم الأسنان ، لم يشذ بعضها عن بعض . . . أي : قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه . . . متعبدا لربك مرتلا للقرآن ترتيلا جميلا حسنا ، تستبين معه الكلمات والحروف ، حتى يفهمها السامع ، وحتى يكون ذلك أعون على حسن تدبره ، وأثبت لمعانيه في القلب . . . قال الإمام ابن كثير : وكذلك كان يقرأ صلى اللَّه عليه وسلم فقد قالت عائشة : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها . . . وسئل أنس عن قراءته صلى اللَّه عليه وسلم فقال : كانت مدا . . . وقال صلى اللَّه عليه وسلم : « زينوا القرآن بأصواتكم » . وقال عبد اللَّه بن مسعود : لا تنثروه نثر الرمل ، ولا تهذوه هذّ الشّعر وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب « 2 » - أي لا تسرعوا في قراءته كما تسرعوا في قراءة الشعر . والهذ : سرعة القطع - هذا ، وليس معنى قوله - سبحانه - : * ( ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) * ، أن يقرأ بطريقة فيها تلحين أو تطريب يغير من ألفاظ القرآن ، ويخل بالقراءة الصحيحة من حيث الأداء ، ومخارج الحروف ، والغن والمد ، والإدغام والإظهار . . . وغير ذلك مما تقتضيه القراءة السليمة للقرآن الكريم . وإنما معنى قوله - تعالى - : * ( ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) * أن يقرأه بصوت جميل وبخشوع وتدبر ، وبالتزام تام للقراءة الصحيحة ، من حيث مخارج الحروف ومن حيث الوقف والمد والإظهار والإخفاء ، وغير ذلك . . . وقد بسط القول في هذه المسألة بعض العلماء فارجع إليه إن شئت « 3 » . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) * تعليل للأمر بقيام الليل ، وهو كلام

--> ( 1 ) راجع تفسير الأحكام ج 4 ص 190 للشيخ محمد على السائس - رحمه اللَّه . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 276 . ( 3 ) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 193 للشيخ السائس .