سيد محمد طنطاوي

154

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إن اللَّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم . وأمسك اللَّه ختامها في السماء اثنى عشر شهرا . ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة . . « 1 » . قال القرطبي ما ملخصه : واختلف : هل كان قيام الليل فرضا وحتما ، أو كان ندبا وحضا ؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتما وفرضا ، وذلك أن الندب والحض ، لا يقع على بعض الليل دون بعض ، لأن قيامه ليس مخصوصا به وقت دون وقت . واختلف - أيضا - هل كان فرضا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وحده ؟ أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء ؟ أو عليه وعلى أمته ؟ ثلاثة أقوال . . . أصحها ثالثها للحديث المتقدم الذي رواه سعيد بن هشام عن عائشة - رضى اللَّه عنها - « 2 » . وقال بعض العلماء بعد أن ساق أقوال العلماء في هذه المسألة بشيء من التفصيل : والذي يستخلص من ذلك أن أرجح الأقوال ، هو القول القائل بأن التهجد كان فريضة على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وعلى أمته ، إذ هو الذي يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية ، ويشهد له ما تقدم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما . ويرى بعض العلماء أن وجوب التهجد باق على الناس جميعا ، وأنه لم ينسخ ، وإنما الذي نسخ هو وجوب قيام جزء مقدر من الليل ، لا ينقص كثيرا عن النصف . . ويرد على هذا القول بما ثبت في الصحيحين ، من أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قال للرجل الذي سأله عما يجب عليه من صلاة ؟ قال : خمس صلوات في اليوم والليلة . قال : هل على غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع » . ويرى فريق آخر : أن قيام الليل نسخ عن الرسول وعن أمته بآخر سورة المزمل . واستبدل به قراءة القرآن ، على ما يعطيه قوله - تعالى - * ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) * ويدل عليه - أيضا - ظاهر ما روى عن عائشة ، من قولها : فصار قيام الليل تطوعا من بعد الفريضة ، دون أن تقيد ذلك بقيد . ويرى فريق ثالث : أن وجوب التهجد استمر على النبي وعلى الأمة ، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج . ويرى فريق رابع : أن قيام الليل نسخ عن الأمة وحدها ، وبقي وجوبه على النبي صلى اللَّه عليه وسلم على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 278 . ( 2 ) راجع تفسير القرطبي .