سيد محمد طنطاوي
140
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى ، التي هي طريق الإسلام ، والتزموا بما جاءهم به النبي صلى اللَّه عليه وسلم من عند ربه . . . لو أنهم فعلوا ذلك ، لفتحنا عليهم أبواب الرزق ، ولأعطيناهم من بركاتنا وخيراتنا الكثير . . . وخص الماء الغدق بالذكر ، لأنه أصل المعاش والسعة . ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - : ومَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقوله - سبحانه - ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ . . . وقوله - تعالى - ولَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . . . ثم بين - سبحانه - الحكمة في هذا العطاء لعباده فقال : * ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ) * وأصل الفتن الامتحان والاختبار . تقول : فتنت الذهب بالنار ، أي : اختبرته لتعرف مقدار جودته . والمعنى : نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا ، لنختبرهم ونمتحنهم ، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم ، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها ، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم . . . ؟ . والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها ، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( ومَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّه يَسْلُكْه عَذاباً صَعَداً ) * . وقوله : * ( يَسْلُكْه ) * من السلك بمعنى إدخال الشيء في الشيء ومنه قوله - تعالى - : كَذلِكَ نَسْلُكُه فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . والصّعد : الشاق . يقال : فلان في صعد من أمره ، أي : في مشقة وتعب ، وهو مصدر صعد - كفرح - صعدا وصعودا . أي : ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته . . . يدخله - سبحانه - في عذاب شاق أليم ، لا مفر منه ، ولا مهرب له عنه . ومن الحقائق والحكم التي نأخذها من هاتين الآيتين ، أن الاستقامة على أمر اللَّه ، تؤدى إلى السعادة التي ليس بعدها سعادة ، وأن رخاء العيش وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار ، كما قال - تعالى - : ونَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً ، وأن الإعراض عن ذكر اللَّه . . . عاقبته الخسران المبين ، والعذاب الأليم . قال القرطبي ما ملخصه : قوله : * ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ) * أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم . وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية : أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة