سيد محمد طنطاوي

141

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فمعنى * ( لأَسْقَيْناهُمْ ) * لوسعنا عليهم في الدنيا ، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا ، لأن الخير والرزق كله ، بالمطر يكون ، فأقيم مقامه . وفي صحيح مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « أخوف ما أخاف عليكم ، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا ، قالوا : وما زهرة الدنيا ؟ قال : بركات الأرض . . . » . وقال صلى اللَّه عليه وسلم : « واللَّه ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم » « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن المساجد التي تقام فيها الصلاة والعبادات ، يجب أن تنسب إلى اللَّه - تعالى - وحده ، فقال : * ( وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَداً ) * . والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ . والمساجد : جمع مسجد ، وهو المكان المعد لإقامة الصلاة والعبادة فيه . واللام في قوله * ( لِلَّه ) * ، للاستحقاق . أي : وأوحى إلىّ - أيضا - أن المساجد التي هي أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا للَّه - تعالى - وحده ، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من الأصنام ، أو طاغوت من الطواغيت . قال الإمام ابن كثير : قال قتادة : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ، أشركوا باللَّه ، فأمر اللَّه نبيه والمؤمنين ، أن يوحدوه وحده . وقال سعيد بن جبير : نزلت في أعضاء السجود . أي : هي للَّه فلا تسجدوا بها لغيره . . . وفي الحديث أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين « 2 » . ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة ، لأن هذا هو المتبادر من معنى الآية ، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين وضعوا الأنصاب والأصنام ، في المسجد الحرام وأشركوها في العبادة مع اللَّه - تعالى - . وأضاف - سبحانه - المساجد إليه ، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب ، وفي الحديث الشريف : « الصلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة في غيره ، إلا المسجد الحرام » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 18 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 270 .