سيد محمد طنطاوي
13
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ونظير هذه الآية قوله - تعالى - في سورة الصافات : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ . وحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ « 1 » . وقوله : * ( زَيَّنَّا ) * من التزيين بمعنى التحسين والتجميل . و * ( الدُّنْيا ) * صيغة تفضيل من الدنو بمعنى القرب . والمصابيح : جمع مصباح وهو السراج المضيء . والمراد بها النجوم . وسميت بالمصابيح على التشبيه بها في حسن المنظر ، وفي الإضاءة ليلا . . والرجوم : جمع رجم ، وهو في الأصل مصدر رجمه رجما - من باب نصر - إذا رماه بالرّجام أي : بالحجارة ، فهو اسم لما يرجم به ، أي : ما يرمى به الرامي غيره من حجر ونحوه ، تسمية للمفعول بالمصدر ، مثل الخلق بمعنى المخلوق . وصدرت الآية الكريمة بالقسم ، لإبراز كمال العناية بمضمونها . والمعنى : وباللَّه لقد زينا وجملنا السماء القريبة منكم بكواكب مضيئة كإضاءة السّرج ، وجعلنا - بقدرتنا - من هذه الكواكب ، ما يرجم الشياطين ويحرقها ، إذا ما حاولوا أن يسترقوا السمع ، كما قال - تعالى - : وأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وشُهُباً . وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَه شِهاباً رَصَداً « 2 » . قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( وجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ) * عاد الضمير في قوله * ( وجَعَلْناها ) * على جنس المصابيح لا على عينها ، لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء ، بل بشهب من دونها ، وقد تكون مستمدة منها - واللَّه أعلم - . قال قتادة : إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال : خلقها زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به . . « 3 » . فالضمير في قوله : * ( وجَعَلْناها ) * يعود إلى المصابيح ، ومنهم من أعاده إلى السماء الدنيا ، على تقدير : وجعلنا منها رجوما للشياطين الذين يسترقون السمع . وقوله - تعالى - : * ( وأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ) * بيان لسوء مصيرهم في الآخرة ، بعد بيان سوء مصيرهم في الدنيا عن طريق إحراقهم بالشهب .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 173 . ( 2 ) سورة الجن الآيتان 8 ، 9 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 204 .