سيد محمد طنطاوي
14
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وهيأنا لهؤلاء الشياطين في الآخرة - بعد إحراقهم في الدنيا بالشهب - عذاب النار المشتعلة المستعرة . فالسعير - بزنة فعيل - اسم لأشد النار اشتعالا . يقال : سعر فلان النار - كمنع - إذا أوقدها بشدة . وكان السعير عذابا للشياطين - مع أنهم مخلوقون من النار ، لأن نار جهنم أشد من النار التي خلقوا منها ، فإذا ألقوا فيها صارت عذابا لهم ، إذ السعير أشد أنواع النار التهابا واشتعالا وإحراقا . . وقوله : * ( ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * معطوف على ما قبله . أي : هيأنا للشياطين عذاب السعير ، وهيأنا - أيضا - للذين كفروا بربهم من الإنس عذاب جهنم ، وبئس المصير عذاب جهنم . ثم بين - سبحانه - أحوالهم الأليمة حينما يلقون جميعا في النار فقال : * ( إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وهِيَ تَفُورُ . . ) * . والظرف « إذا » متعلق بقوله * ( سَمِعُوا ) * والشهيق : تردد النفس في الصدر بصعوبة وعناء . . أي : أن هؤلاء الكافرين بربهم ، عندما يلقون في النار ، يسمعون لها صوتا فظيعا منكرا ، * ( وهِيَ تَفُورُ ) * أي : وحالها أنها تغلى بهم غليان المرجل بما فيه ، إذ الفور : شدة الغليان ، ويقال ذلك في النار إذا هاجت ، وفي القدر إذا غلت . . * ( تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) * أي تكاد النار تتقطع وينفصل بعضها عن بعض ، لشدة غضبها عليهم ، والتهامها لهم ، وتميز أصله تتميز فحذفت إحدى التاءين تخفيفا . والغيظ أشد الغضب ، والجملة في محل نصب على الحال ، أو في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف . أي : هي تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم . . وقوله : * ( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها . . . ) * كلام مستأنف لبيان حال أهلها . والفوج : الجماعة من الناس ولفظ * ( كُلَّما ) * مركب من كل الدال على الشمول ، ومن ما المصدرية الظرفية . أي : في كل وقت وآن ، يلقى بجماعة من الكافرين في النار ، يسألهم خزنتها من الملائكة ، سؤال تبكيت وتقريع ، بقولهم :