سيد محمد طنطاوي
135
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي هذا القول من مؤمني الجن ، تعريض بمشركي قريش ، الذين أنكروا البعث ، وقالوا : ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ . . . ثم حكى - سبحانه - عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء ، طلبا لمعرفة أخبارها . . قبل أن يؤمنوا فقال : * ( وأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وشُهُباً . . . وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَه شِهاباً رَصَداً ) * . وقوله : * ( لَمَسْنَا ) * من اللمس ، وحقيقته الجس باليد ، واستعير هنا ، لطلب أخبار السماء ، لأن الماس للشيء في العادة ، إنما يفعل ذلك طلبا لاختباره ومعرفته . والحرس : اسم جمع للحراس ، كخدم وكخدام ، والشهب : جمع شهاب ، وهو القطعة التي تنفصل عن بعض النجوم ، فتسقط في الجو أو على الأرض أو في البحر . أي : وأنا طلبنا أخبار السماء كما هي عادتنا قبل أن نؤمن * ( فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وشُهُباً ) * أي : فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء من الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع . . . كما أنا قد وجدناها قد امتلأت بالشهب التي تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم . * ( وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها ) * أي من السماء * ( مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ) * أي : كنا نقعد منها مقاعد كائنة للسمع ، خالية من الحرس والشهب . . . * ( فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ ) * بعد نزول القرآن ، الذي هو معجزة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والذي آمنا به وصدقناه . * ( يَجِدْ لَه شِهاباً رَصَداً ) * أي : فمن يجلس الآن ليسترق السمع من السماء يجد له شهابا معدا ومهيأ للانقضاض عليه فيهلكه . فالرصد : جمع راصد ، وهو الحافظ للشيء ، وهو وصف لقوله « شهابا » . والفاء في قوله : * ( فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ ) * للتفريع على محذوف ، وكلمة « الآن » في مقابل كلمة « كنا » الدالة على المحذوف . . والتقدير : كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فنستمع أشياء ، وقد انقضى ذلك ، وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا ، ينقض عليه فيحرقه . والمقصود من هاتين الآيتين : تأكيد إيمانهم باللَّه - تعالى - ، وبرسوله صلى اللَّه عليه وسلم ، وحض غيرهم على اتباعهم ، وتحذيرهم من التعرض لاستراق السمع .