سيد محمد طنطاوي
136
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : « يخبر اللَّه - تعالى - عن الجن حين بعث اللَّه رسوله محمدا صلى اللَّه عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وحفظت من سائر أرجائها ، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك ، لئلا يسترقوا شيئا من القرآن ، فيلقوه على ألسنة الكهنة ، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق ، وهذا من لطف اللَّه بخلقه ، ورحمته بعباده ، وحفظه لكتابه العزيز ، ولهذا قالت الجن : « وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » أي : من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا ، لا يتخطاه ولا يتعداه ، بل يمحقه ويهلكه » « 1 » . وقال بعض العلماء : والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث . فلما بعث صلى اللَّه عليه وسلم كثر وازداد ، كما ملئت السماء بالحرس والشهب . وليس في الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم ، بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب ، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية . . . « 2 » . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه على سبيل الإقرار بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيوب فقال : * ( وأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ) * . أي : وقال هؤلاء الجن المؤمنون على سبيل الاعتراف بأن مرد علم الغيوب إلى اللَّه - تعالى - وحده : قالوا وإنا لا ندري ولا نعلم الآن ، بعد هذه الحراسة المشددة للسماء ، أأريد بأهل الأرض ما يضرّ بهم ، أم أراد اللَّه - تعالى - بها ما ينفعهم ؟ . قال الآلوسي : ولا يخفى ما في قولهم هذا من الأدب ، حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى اللَّه - تعالى - ، كما صرحوا به في الخير ، وإن كان فاعل الكل هو اللَّه - تعالى - ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد . . . « 3 » . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه في وصف حالهم وواقعهم فقال : * ( وأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ . . . ) * أي : منا الموصوفون بالصلاح والتقوى . . . وهم الذين آمنوا باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، ولم يشركوا معه في العبادة أحدا . . . * ( ومِنَّا دُونَ ذلِكَ ) * أي : ومنا قوم دون ذلك في الصلاح والتقوى . . . وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم ، ولم يستقيموا على صراطه ودينه .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 267 . ( 2 ) تفسير صفوة البيان ج 2 ص 472 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 88 .