سيد محمد طنطاوي

120

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا ، لأنها ملتهبة ، وأنوارها ذاتية فيها ، صادرة عنها إلى الأرض وإلى القمر ، مثل أنوار السراج تملأ البيت . . « 1 » . ثم انتقل نوح - عليه السلام - من تنبيههم إلى ما في خلق السماوات والشمس والقمر من دلالة على وحدانية اللَّه وقدرته . . إلى لفت أنظارهم إلى التأمل في خلق أنفسهم ، وفي مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، فقال - كما حكى القرآن عنه - : * ( واللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها ، ويُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ) * . والمراد بأنبتكم : أنشأكم وأوجدكم ، فاستعير الإنبات للإنشاء للمشابهة بين إنبات النبات ، وإنشاء الإنسان ، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد للشيء بقدرته - تعالى - . والمراد بأنبتكم : أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم ، فأنتم فروع عنه . و * ( نَباتاً ) * مصدر لأنبت على حذف الزوائد ، فهو مفعول مطلق لأنبتكم ، جيء به للتوكيد ، ومصدره القياسي « إنباتا » ، واختير « نباتا » لأنه أخف . قال الجمل : قوله : نباتا ، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد . ويسمى اسم مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا . أي : فنبتّم نباتا - فيكون منصوبا بالمطاوع المقدر . « 2 » . أي : واللَّه - تعالى - هو الذي أوجد وأنشأ أباكم آدم من الأرض إنشاء وجعلكم فروعا عنه ، ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم لتكون قبورا لكم ، ثم يخرجكم منها يوم البعث للحساب والجزاء . وعبر - سبحانه - عن الإنشاء بالإنبات ، لأن هذا التعبير يشعر بأن الإنسان مخلوق محدث ، وأنه مثل النبات يحصد ثم يعود إلى الحياة مرة أخرى . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : « استعير الإنبات للإنشاء كما يقال : زرعك اللَّه للخير . وكانت هذه الاستعارة أدل دليل على الحدوث لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات » « 3 » . ثم ختم نوح - عليه السلام - إرشاداته لقومه ، بلفت أنظارهم إلى نعمة الأرض التي يعيشون عليها ، فقال : * ( واللَّه جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً ) * .

--> ( 1 ) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ج 29 ص 204 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 412 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 618 .