سيد محمد طنطاوي
121
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : واللَّه - تعالى - وحده هو الذي جعل لكم - بفضله ومنته - الأرض مبسوطة . حيث تتقلبون عليها كما يتقلب النائم على البساط . وجعلها لكم كذلك * ( لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا ) * أي : لكي تتخذوا منها لأنفسكم طرقا * ( فِجاجاً ) * أي : متسعة جمع فج وهو الطريق الواسع . وقوله : * ( بِساطاً ) * تشبيه بليغ . أي : جعلها لكم كالبساط ، وهذا لا يتنافى مع كون الأرض كروية ، لأن الكرة إذا عظمت جدا ، كانت القطعة منها كالسطح والبساط في إمكان الانتفاع بها ، والتقلب على أرجائها . وهكذا نرى أن نوحا - عليه السلام - قد سلك مع قومه مسالك متعددة لإقناعهم بصحة ما يدعوهم إليه ، ولحملهم على طاعته ، والإيمان بصدق رسالته . لقد دعاهم بالليل والنهار ، وفي السر وفي العلانية ، وبين لهم أن طاعتهم للَّه - تعالى - تؤدى إلى إمدادهم بالأموال والأولاد ، والجنات والأنهار ووبخهم على عدم خشيتهم من اللَّه - تعالى - وذكرهم بأطوار خلقهم ، ولفت أنظارهم إلى بديع صنعه - سبحانه - في خلق السماوات والشمس والقمر ، ونبههم إلى نشأتهم من الأرض ، وعودتهم إليها ، وإخراجهم منها للحساب والجزاء ، وأرشدهم إلى نعم اللَّه - تعالى - في جعل الأرض مبسوطة لهم . وهكذا حاول نوح - عليه السلام - أن يصل إلى آذان قومه وإلى عقولهم وقلوبهم ، بشتى الأساليب الحكيمة ، والتوجيهات القويمة ، في صبر طويل وإرشاد دائم . ولكن قومه كانوا قد بلغوا الغاية في الغباء والجهالة والعناد والطغيان ، لذا نرى السورة الكريمة تحكى عن نوح - عليه السلام - ضراعته إلى ربه ، والتماسه منه - تعالى - استئصال شأفتهم ، وقطع دابرهم ، لنستمع في تدبر إلى قوله - تعالى - . [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 21 إلى 28 ] قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْه مالُه ووَلَدُه إِلَّا خَساراً ( 21 ) ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً ( 23 ) وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا ( 24 ) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه أَنْصاراً ( 25 ) وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ( 28 )