سيد محمد طنطاوي
10
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سماوات متطابقة ، أي : بعضها فوق بعض ، بطريقة متقنة محكمة . . لا يقدر على خلقها بتلك الطريقة إلا هو ، ولا يعلم كنه تكوينها وهيئاتها . . أحد سواه - عز وجل - . وقوله - سبحانه - * ( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) * مؤكد لما قبله ، والتفاوت مأخوذ من الفوت ، وأصله الفرجة بين الإصبعين . تقول : تفاوت الشيئان تفاوتا ، إذا حدث تباعد بينهما ، والجملة صفة ثانية لسبع سماوات ، أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها . . والخطاب لكل من يصلح له . أي : هو - سبحانه - الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض ، مع تناسقها ، وإتقان تكوينها ، وإحكام صنعها . . بحيث لا ترى - أيها العاقل - في خلق السماوات السبع شيئا من الاختلاف ، أو الاضطراب ، أو عدم التناسب . . بل كلها محكمة ، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع . وقال - سبحانه - : * ( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ . . . ) * ولم يقل : ما ترى في السماوات السبع من تفاوت ، للإشعار بأن هذا الخلق البديع ، هو ما اقتضته رحمته - تعالى - بعباده ، لكي تجرى أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم . . وللتنبيه - أيضا - على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع في صنعها وإيجادها ، كما قال - تعالى - : صُنْعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ « 1 » . وكما قال - سبحانه - : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه . . . « 2 » . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) * أي : من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض ، إنما هي مستوية ومستقيمة ، وحقيقة التفاوت : عدم التناسب ، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه ، ومنه قولهم : خلق متفاوت ، وفي نقيضه متناصف . فإن قلت : ما موقع هذه الجملة مما قبلها ؟ قلت : هي صفة مشايعة لقوله * ( طِباقاً ) * وأصلها : ما ترى فيهن من تفاوت ، فوضع مكان الضمير قوله : * ( خَلْقِ الرَّحْمنِ ) * تعظيما لخلقهن ، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت ، وهو أنه خلق الرحمن ، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب . . « 3 » . ثم ساق - سبحانه - بأسلوب فيه ما فيه من التحدي ، ما يدل على أن خلقه خال من التفاوت والخلل فقال : * ( فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ، يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وهُوَ حَسِيرٌ ) * .
--> ( 1 ) سورة النمل الآية 88 . ( 2 ) سورة السجدة الآية 7 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 576 .