سيد محمد طنطاوي
11
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفطور جمع فطر ، وهو الشق والصدع ، يقال : فطر فلان الشيء فانفطر ، إذا شقه ، وبابه نصر . وقوله * ( كَرَّتَيْنِ ) * مثنى كرّة ، وهي المرة من الكرّ ، وهو الرجوع إلى الشيء مرة أخرى ، يقال كر المقاتل على عدوه ، إذا عاد إلى مهاجمته بعد أن تركه . والمراد بالكرتين هنا : معاودة النظر وتكريره كثيرا ، بدون الاقتصار على المرتين ، فالتثنية هنا : كناية عن مطلق التكرير ، كما في قولهم : لبيك وسعديك . وقوله : * ( خاسِئاً ) * أي صاغرا خائبا لأنه لم يجد ما كان يطلبه ويتمناه . وقوله : * ( حَسِيرٌ ) * بمعنى كليل ومتعب ، من حسر بصر فلان يحسر حسورا إذا كلّ وتعب من طول النظر والتأمل والفحص ، وفعله من باب قعد . والمعنى : ما ترى - أيها الناظر - في خلق الرحمن من تفاوت أو خلل . . فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به ، أو في أدنى شك من ذلك ، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر ، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهه . . والاستفهام في قوله : * ( هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) * للتقرير . أي : إنك مهما نظرت في خلق الرحمن . وشددت في التفحص والتأمل . . فلن ترى فيه من شقوق أو خلل أو تفاوت . . وقوله : * ( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) * تعجيز إثر تعجيز ، وتحد في أعقاب تحد . . أي : ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة ، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية . . بل أعد النظر مرات ومرات . . فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها ، أن بصرك - بعد طول النظر والتأمل - ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب . . لأنه - بعد هذا النظر الكثير - لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : * ( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ ) * أي : إن رجعت البصر ، وكررت النظر ، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل ، وإدراك العيب ، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور . . أي : بالبعد عن إصابة الملتمس . فإن قلت : كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين ؟ قلت : معنى التثنية هنا التكرير بكثرة كقولك لبيك وسعديك . . فإن قلت : فما معنى « ثم ارجع البصر » ؟ قلت : أمره برجع البصر ، ثم أمره بأن لا يقتنع