سيد محمد طنطاوي
70
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و * ( إِذاً ) * في قوله : * ( تِلْكَ إِذاً . . . ) * حرف جواب . أي : إن كان الأمر كما زعمتم ، فقسمتكم إذا قسمة جائرة ظالمة . ثم بين لهم - سبحانه - وجه الحق في هذه الأصنام فقال : * ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ، ما أَنْزَلَ اللَّه بِها مِنْ سُلْطانٍ . . . ) * . أي : ما هذه الأصنام التي عبدتموها من دون اللَّه ، أو توهمتم أنها تشفع لكم عنده - تعالى - . ما هي إلا أسماء محضة ، ليس فيها شيء أصلا من صفات الألوهية ، وأنتم وآباؤكم سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ، دون أن يكون معكم على هذه التسمية شيء من الحجة أو الدليل أو البرهان . . . فالضمير « هي » يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة . والمراد بقوله : * ( أَسْماءٌ ) * : أنها ليس لها من الألوهية التي أثبتوها لها سوى اسمها ، وأما معناها وحقيقتها فهي أبعد ما تكون عن ذلك . . وجملة « سميتموها » صفة للأسماء ، والهاء هي المفعول الثاني ، والمفعول الأول محذوف ، والتقدير : إن هي إلا أسماء سميتموها الأصنام ، أي : سميتم بها الأصنام . والمراد بالسلطان : الحجة والدليل ، والمراد بالإنزال : الإخبار بأنها آلهة و « من » مزيدة لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت . . أي : ما أخبر اللَّه - تعالى - عنها بأنها آلهة ، بأي لون من ألوان الإخبار ، ولا توجد حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها . . . ثم يهمل - سبحانه - خطابهم بعد ذلك ، ويذرهم في أوهامهم يعمهون ، ويلتفت بالحديث عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم ، فيقول : * ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وما تَهْوَى الأَنْفُسُ . . . ) * . أي : ما يتبع هؤلاء الجاهلون في عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة ، إلا الظنون الكاذبة ، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء ، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر . . فالمراد بالظن هنا : الظن الباطل الذي يقوم على الاعتقاد الفاسد ، كما في قوله - تعالى - : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ . والتعريف في قوله - سبحانه - : * ( وما تَهْوَى الأَنْفُسُ ) * عوض عن المضاف إليه . و * ( ما ) * موصولة والعائد محذوف . أي : والذي تهواه أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان . . وجملة : * ( ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) * حالية من فاعل « يتبعون » ، وجئ بها لزيادة التعجب من حالهم . أي : هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق ، والحال أنه قد جاء