سيد محمد طنطاوي
71
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إليهم ، ووصل إلى مسامعهم من ربهم ، ما يهديهم إلى الصواب لو كانوا يعقلون . وأكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم وقد ، لتأكد الخبر ، ولزيادة التعجب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الغرابة . . والتعبير بقوله : * ( جاءَهُمْ ) * يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون عناء منهم ، ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه . والتعريف في لفظ « الهدى » يدل على كماله وسموه . أي . ولقد جاءهم من ربهم الهدى الكامل الذي ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة . والمراد به : ما جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم من قرآن كريم ومن سنة مطهرة . . ثم بين - سبحانه - أن شهوات النفس ومطالبها وأمنياتها لا تتحقق إلا في الإطار الذي يريده اللَّه - تعالى - لها ، فقال : * ( أَمْ لِلإِنْسانِ ما تَمَنَّى . فَلِلَّه الآخِرَةُ والأُولى ) * . والاستفهام هنا - أيضا - للإنكار ، ولإبطال اتباعهم للظنون ولما تهواه أنفسهم . . أي : إن هؤلاء قد اتبعوا في ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام ، وما تشتهيه قلوبهم من حب للرياسة ، ومن تقليد للآباء ، ومن تطلع إلى أن هذه الأصنام ستشفع لهم عند اللَّه - تعالى - . . . مع أن وقائع الحياة وشواهدها التي يرونها بأعينهم ، تدل دلالة واضحة ، على أنه ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه ، وليس كل ما يريده يتحقق له . . . لأن كل شيء في هذه الحياة مرهون بإرادته ومشيئته - سبحانه - وهو - عز وجل - صاحب الدار الآخرة ، وصاحب الدار الأولى وهي دار الدنيا ، ولا يقع فيهما إلا ما يريده . . فالمقصود من الآيتين الكريمتين ، نفى ما كان يتمناه أولئك المشركون من شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك في قوله : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّه زُلْفى . . . . ونفى ما كانت تتطلع إليه نفوس بعضهم ، من نزول القرآن عليه ، أو من اختصاصه بالنبوة . فقد حكى - سبحانه - عنهم قولهم : . . لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 1 » . كما أن المقصود بها كذلك ، ترويض النفس البشرية على عدم الجري وراء ظنونها وأهوائها ، بل عليها أن تتمسك بالحق ، وأن تعتصم بطاعة اللَّه - تعالى - وأن تباشر الأسباب التي شرعها - سبحانه - ، ثم بعد ذلك تترك النتائج له يسيرها كيف يشاء ، فإن له الآخرة والأولى .
--> ( 1 ) سورة الزخرف الآية 31 .