سيد محمد طنطاوي
63
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقرئ . * ( ما كَذَبَ ) * - بالتشديد - ، أي : صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته « 1 » . ثم وبخ - سبحانه - المشركين على تكذيبهم للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فيما يخبرهم عنه من شؤون الوحي ، فقال : * ( أَفَتُمارُونَه عَلى ما يَرى ) * . والمماراة : المجادلة والملاحاة بالباطل . يقال : ماري فلان فلانا مماراة ومراء ، إذا جادله ، مأخوذ من مري الناقة يمريها . إذا مسح ضرعها ليستدر لبنها ، ويأخذه كاملا ، فشبه الجدال بذلك ، لأن كل واحد من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه ، أي : يسعى لاستخراج كل ما عنده ، حتى يقيم الحجة عليه . وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبة . أي : أفتجادلون نبينا محمدا صلى اللَّه عليه وسلم فيما رآه بعينيه ، وتجادلونه في شيء هو تحقق منه بعقله وبصره ، وهو ملاقاته ورؤيته لأمين وحينا جبريل - عليه السلام - ؟ إن مجادلتكم له في ذلك ، هو من قبيل التعنت الواضح ، والجهل الفاضح ، لأنكم كذبتموه وجادلتموه في شيء هو قد رآه وتحقق منه ، وأنتم تعلمون أنه صادق أمين . فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم على جدالهم بالباطل . هذا وقد ذكر العلماء ، أن هذه الآيات ، تشير إلى رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم لجبريل ، على الهيئة التي خلقه اللَّه - تعالى - عليها ، فقد كان جبريل يأتي النبي صلى اللَّه عليه وسلم في صورة آدمي ، فسأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها ، فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض وهي التي تشير إليها هذا الآيات ، ومرة في السماء ، وهي التي تشير إليها الآيات التالية . وقد توسع الإمام ابن كثير في ذكر الأحاديث التي وردت في ذلك فقال ما ملخصه : عن عبد اللَّه بن مسعود ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين ، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته ، فسد الأفق ، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد . . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى . . ) * إشارة إلى المرة الثانية التي رأى فيها الرسول صلى اللَّه عليه وسلم جبريل على هيئته التي خلقه اللَّه - تعالى - عليها ، وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج . أي : واللَّه لقد رأى محمد صلى اللَّه عليه وسلم جبريل في صورته التي خلق عليها ، حالة كونه نازلا من السماء نزلة أخرى . وقد جاء الإخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة بلام القسم وبقد . . للرد على المشركين
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 29 . ( 2 ) راجع ابن كثير تفسير ج 4 ص 247 .