سيد محمد طنطاوي
64
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الذين أنكروا ذلك ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لئن كنتم قد أنكرتم هذه الرؤية في الأرض ، فإنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يره في الأرض فقط ، بل رآه رؤية أعظم من ذلك ، وهي رؤيته له في السماء ، حين كان مصاحبا له في رحلته ليلة الإسراء والمعراج . قال الآلوسي : * ( ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى ) * أي : رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم جبريل في صورته التي خلقه اللَّه عليها * ( نَزْلَةً أُخْرى ) * أي : مرة أخرى ، وهي فعلة من النزول ، أقيمت مقام المرة ، ونصبت نصبها على الظرفية ، لأن أصل المرة مصدر مر يمر ، ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه . ولم يقل مرة بدل نزلة ليفيد أن الرؤية في هذه المرة ، كانت بنزول ودنو ، كالرؤية في المرة الأولى ، الدال عليها ما مر . . . والمراد من الجملة القسمية ، نفى الريبة والشك عن المرة الأخيرة ، وكانت ليلة الإسراء « 1 » . وقوله : * ( عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ) * بيان للمكان الذي تمت عنده الرؤية الثانية . والسدرة في الأصل : تطلق على شجرة النّبق ، وهو ثمر معروف في بلاد العرب . والمنتهى : اسم مكان ، أو مصدر ميمى بمعنى الانتهاء . وإضافة السدرة إليه ، من باب إضافة الشيء إلى مكانه ، كما في قولهم : أشجار البستان . أو من إضافة المحل إلى الحال ، كما في قولك : كتاب الفقه أو النحو . . وسمى هذا المكان بسدرة المنتهى ، لانتهاء علوم الخلائق عنده ، وما وراءه لا يعلمه إلا اللَّه - تعالى - . أخرج الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن مسعود قال : لما أسرى برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السابعة وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها . وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها « 2 » . ثم بين - سبحانه - ما يدل على شرف هذا المكان فقال : * ( عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) * . أي : عند سدرة المنتهى ، جنة المأوى . أي : الجنة التي تأوى وتسكن إليها أرواح المؤمنين الصادقين ، الذين رضى اللَّه عنهم ورضوا عنه . ثم نوه - سبحانه - بما يحيط بذلك المكان من جلال وجمال لا تحيط العبارة بوصفه فقال : * ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ) * .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 50 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 252 .