سيد محمد طنطاوي
50
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال - سبحانه - : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . . . « 1 » . * ( أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ) * أي : بل أيريدون بك - أيها الرسول الكريم - الكيد والأذى والهلاك ، إن كانوا يريدون بك ذلك فاعلم أن الذين كفروا بك وبدعوتك وأرادوا بك وبها الكيد والأذى ، هم المغلوبون الخاسرون الذين يحيق بهم كيدهم ويعود عليهم وباله . فقوله : * ( الْمَكِيدُونَ ) * اسم مفعول من الكيد ، وهو المكر والخبث . . . وقد عاد عليهم وبال مكرهم فعلا ، فقد خرج صلى اللَّه عليه وسلم من بين جموعهم ليلة الهجرة ، دون أن يروه ، وكانوا محيطين بداره ليقتلوه ، وأحبط اللَّه - تعالى - مكرهم . * ( أَمْ لَهُمْ إِله غَيْرُ اللَّه سُبْحانَ اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * أي : بل ألهم إله غير اللَّه - تعالى - يرزقهم من فضله ، ويرعاهم بلطفه في جميع أطوار حياتهم . كلا إنهم لا إله لهم سواه - تعالى - وتنزه - سبحانه - عن شركهم وكفرهم . * ( وإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ) * والكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء ، والمركوم : المتراكم الذي تجمع بعضه فوق بعض . أي : وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة من العذاب نازلة عليهم لتهديدهم وزجرهم . قالوا : هذا النازل علينا سحاب متراكم ، قد اجتمع بعضه فوق بعض ليسقينا ، ولم يصدقوا أنه نذير عذاب شديد لهم . وهذا شأن الطغاة المعاندين ، وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد ، فإنهم حين رأوا العذاب مقبلا نحوهم قالوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فرد اللَّه - تعالى - عليهم بقوله بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِه رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ . هذا : والمتأمل في هذه الآيات الكريمة : يراها قد حملت على المشركين حملة شديدة ، حيث وبختهم على جهالاتهم ، وتحدتهم بأسلوب تعجيزى أن يأتوا بمثل القرآن الكريم ، وتهكمت بهم وبعقولهم الفارغة التي انقادوا لها بدون تفكر أو تدبر ، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم ، لأنهم يقرون أن اللَّه - تعالى - هو الخالق لهم ولغيرهم ، ومع ذلك فهم يعبدون غيره . وينسبون البنات إليه دون البنين . . . وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر ، كان في السنة الخامسة عشرة من
--> ( 1 ) سورة الجن الآيتان 26 ، 27 .