سيد محمد طنطاوي

472

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( والْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) * أي : والملائكة بعد نصر اللَّه - تعالى - له ، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له ، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون في صفه ضدكما . وفي هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وأسمى ما يتصوره الإنسان من تكريم اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم ومن غيرته - عز وجل - عليه ، ومن دفاعه عنه صلى اللَّه عليه وسلم . وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فإنه لا يكون من صالح المؤمنين . وقوله : * ( وجِبْرِيلُ ) * مبتدأ ، وقوله : * ( وصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ والْمَلائِكَةُ ) * معطوف عليه . وقوله : * ( بَعْدَ ذلِكَ ) * متعلق بقوله * ( ظَهِيرٌ ) * الذي هو خبر عن الجميع . وقد جاء بلفظ المفرد ، لأن صيغة فعيل يستوي فيها الواحد وغيره . فكأنه - تعالى - قال : والجميع بعد ذلك مظاهرون له ، واختير الإفراد للإشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد في تأييده ونصرته ، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : * ( بَعْدَ ذلِكَ ) * تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقد تقدمت نصرة اللَّه وجبريل وصالح المؤمنين ، ونصرة اللَّه - تعالى - أعظم وأعظم ؟ قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة اللَّه ، فكأنه فضل نصرته - تعالى - بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته ، لفضلهم . . . » « 1 » . وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة ، للتنويه بمزيد فضله ، فهو أمين الوحي ، والمبلغ عن اللَّه - تعالى - إلى رسله . هذا ، ومما يدل على أن الخطاب في قوله - تعالى - : * ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّه ) * ، لحفصة وعائشة ، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اللتين قال اللَّه - تعالى - فيهما : * ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) * . فلما كان ببعض الطريق . . . قلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي صلى اللَّه عليه وسلم اللتان قال اللَّه تعالى - فيهما : * ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) * . فقال عمر : وا عجبا لك يا ابن عباس . . هما حفصة وعائشة « 2 » .

--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 567 . ( 2 ) راجع الحديث بتمامه في تفسير ابن كثير ج 8 ص 188 فهو حديث ممتع وطويل .