سيد محمد طنطاوي
456
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : عليكم - أيها الآباء والأمهات - أن تتشاوروا فيما ينفع أولادكم ، وليأمر بعضكم بعضا بما هو حسن ، فيما يتعلق بالإرضاع والأجر وغيرهما . وقوله - تعالى - : * ( وإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَه أُخْرى ) * إرشاد إلى ما يجب عليهما في حالة عدم التراضي على الإرضاع أو الأجر . والتعاسر مأخوذ من العسر الذي هو ضد اليسر والسماحة ، يقال تعاسر المتبايعان ، إذا تمسك كل واحد منهما برأيه ، دون أن يتفقا على شيء . أي : وإن اشتد الخلاف بينكم ، ولم تصلوا إلى حل ، بأن امتنع الأب عن دفع الأجرة للأم ، أو امتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجر معين . فليس معنى ذلك أن يبقى المولود جائعا بدون رضاعة ، بل على الأب أن يبحث عن مرضعة أخرى ، لكي ترضع له ولده ، فالضمير في قوله * ( لَه ) * يعود على الأب . قال صاحب الكشاف قوله : * ( وإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَه أُخْرى ) * أي : فستوجد مرضعة غير الأم ترضعه ، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى : سيقضيها غيرك . تريد لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم . وقد علق المحشى على الكشاف بقوله : وخص الأم بالمعاتبة ، لأن المبذول من جهتها هو لبنها وهو غير متمول ولا مضنون به في العرف ، وخصوصا في الأم على الولد ، ولا كذلك المبذول من جهة الأب ، فإنه المال المضنون به عادة فالأم إذا أجدى باللوم ، وأحق بالعتب . . « 1 » . قالوا : وفي هذه الجملة - أيضا - طرف من معاتبة الأب ، لأنه كان من الواجب عليه أن يسترضى الأم ، ولا يكون مصدر عسر بالنسبة لها ، حرصا على مصلحة الولد . ثم رسم - سبحانه - لعباده المنهج الذي لو اتبعوه لعاشوا آمنين مطمئنين فقال : * ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه ) * . والإنفاق : بذل المال في المصالح المتنوعة التي أحلها اللَّه - تعالى - ، كالمأكل والمشرب ، والملبس ، والمسكن ، وإعطاء كل ذي حق حقه . . والسعة : البسطة في المال والرزق . أي : على كل من أعطاه اللَّه - تعالى - سعة وبسطة في المال والرزق ، أن ينفق مما أعطاه اللَّه - تعالى - وأن لا يبخل ، فإن البخل صفة قبيحة ، ولا سيما في الأغنياء .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 559 .