سيد محمد طنطاوي

457

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فعليكم - أيها الآباء - أن تعطوا بسخاء كل من يستحقون العطاء ، وعلى رأسهم الأمهات لأولادكم ، اللائي يقمن بإرضاعهم بعد مفارقتكم لهن ، وأن لا تبخلوا عليهن في أجرة الرضاع ، أو في النفقة على الأولاد . ثم قال - تعالى - : * ( ومَنْ قُدِرَ عَلَيْه رِزْقُه فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاه اللَّه . . . ) * أي : ومن كان رزقه ضيقا وليس واسعا . . فلينفق على قدر ماله ورزقه وطاقته ، مما آتاه اللَّه - تعالى - من رزق . وقوله : * ( لا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْساً إِلَّا ما آتاها . . . ) * تعليل لما قبله ، أي : فلينفق كل إنسان على نفسه وعلى زوجه ، وعلى أولاده ، وعلى أقاربه ، وعلى غيرهم . على حسب حاله ، فإن كان موسرا أنفق على حسب يسره ، وإن كان معسرا أنفق على حسب عسره . . لأن اللَّه - تعالى - لا يكلف نفسا إلا بقدر ما أعطاها من طاقة أو رزق . . روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب سأل عن أبي عبيدة فقيل له : إنه يلبس الغليظ من الثياب ، ويأكل الخشن من الطعام ، فبعث إليه بألف دينار ، وقال للرسول : انظر ماذا يصنع إذا أخذها : فلما أخذها ، ما لبث أن لبس ألين الثياب ، وأكل أطيب الطعام . . فجاء الرسول فأخبره فقال عمر : رحم اللَّه أبا عبيدة ، لقد عمل بهذه الآية : * ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه ، ومَنْ قُدِرَ عَلَيْه رِزْقُه فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاه اللَّه . . . ) * « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببشارة لمن يتبع أمره فقال : * ( سَيَجْعَلُ اللَّه بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) * أي : سيجعل اللَّه - تعالى - بفضله وإحسانه - اليسر بعد العسر ، والسعة بعد الضيق ، والغنى بعد الفقر . . لمن شاء من عباده ، لأنه - سبحانه - هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وهو بعباده خبير بصير . قال الإمام ابن كثير : وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال : دخل رجل على أهله . فلما رأى ما بهم من الفاقة خرج إلى البرية ، فلما رأت امرأته ذلك قامت إلى الرحى فوضعتها ، وإلى التنور فسجرته - أي أوقدته - ، ثم قالت : اللهم ارزقنا ، فنظرت ، فإذا الجفنة قد امتلأت . . قال : وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا ، قال : فرجع الزوج فقال لأهله : أأصبتم بعدي شيئا ؟ فقالت امرأته : نعم من ربنا . . فذكر الرجل ذلك للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : أما إنه لو لم ترفعها ، لم تزل تدور إلى يوم القيامة . . « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 28 ص 149 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 181 .