سيد محمد طنطاوي
455
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ولا تستعملوا معهن ما يؤذيهن ويضرهن ، لكي تضيقوا عليهن ما منحه اللَّه - تعالى - لهن من حقوق ، بأن تطيلوا عليهن مدة العدة ، فتصبح الواحدة منهن كالمعلقة ، أو بأن تضيقوا عليهن في السكنى ، حتى يلجأن إلى الخروج ، والتنازل عن حقوقهن . وقوله - تعالى - : * ( وإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . . ) * أي : وإن كان المطلقات أصحاب حمل - فعليكم يا معشر الأزواج - أن تقدموا لهن النفقة المناسبة ، حتى يضعن حملهن . قال الإمام ابن كثير : قال كثير من العلماء منهم ابن عباس ، وطائفة من السلف . هذه هي البائن ، إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها ، قالوا : بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء أكانت حاملا أم غير حامل . وقال آخرون : بل السياق كله في الرجعيات ، وإنما نص على الإنفاق على الحامل - وإن كانت رجعية - لأن الحمل تطول مدته غالبا . فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع ، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة . . « 1 » . ولما كان الحمل ينتهى بالوضع ، انتقلت السورة الكريمة إلى بيان ما يجب للمطلقات بعد الوضع ، فقال - تعالى - : * ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) * . أي : عليكم - أيها المؤمنون - أن تقدموا لنسائكم ذوات الحمل اللائي طلقتموهن طلاقا بائنا ، عليكم أن تقدموا لهن النفقة حتى يضعن حملهن ، فإذا ما وضعن حملهن وأرادوا أن يرضعن لكم أولادكم منهن ، فعليكم - أيضا - أن تعطوهن أجورهن على هذا الإرضاع ، وأن تلتزموا بذلك لهن . وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الأم المطلقة طلاقا بائنا ، إذا أرادت أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فليس لأحد أن يمنعها من ذلك ، لأنها أحق به من غيرها ، لشدة شفقتها عليه . . . وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ . كما أخذوا منها - أيضا - أن نفقة الولد الصغير على أبيه ، لأنه إذا لزمته أجرة الرضاع ، فبقية النفقات الخاصة بالصغير تقاس على ذلك . وقوله - سبحانه - : * ( وأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ) * حض منه - سبحانه - للآباء والأمهات على التعاون والتناصح في وجوه الخير والبر . والائتمار معناه : التشاور وتبادل الرأي ، وسمى التشاور بذلك لأن المتشاورين في مسألة ، يأمر أحدهما الآخر بشيء فيستجيب لأمره ، ويقال : أئتمر القوم وتآمروا بمعنى واحد .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 179 .