سيد محمد طنطاوي

454

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم كرر - سبحانه - الأمر بتقواه ، وبشر المتقين بالخير العميم فقال : * ( ومَنْ يَتَّقِ اللَّه ) * - تعالى - فينفذ ما كلف به . ويبتعد عما نهى عنه . * ( يَجْعَلْ لَه ) * سبحانه * ( مِنْ أَمْرِه يُسْراً ) * أي : يجعل له من الأمر العسير أمرا ميسورا . ويحول له الأمر الصعب إلى أمر سهل ، لأنه - سبحانه - له الخلق والأمر . . * ( ذلِكَ ) * الذي ذكرناه لكم من أحكام * ( أَمْرُ اللَّه ) * أي : حكمه وشرعه * ( أَنْزَلَه إِلَيْكُمْ ) * لتعلموا به ، وتسيروا على هديه . * ( ومَنْ يَتَّقِ اللَّه ) * - تعالى - في كل شؤونه وأحواله . . * ( يُكَفِّرْ عَنْه سَيِّئاتِه ) * أي : يمح عنه ذنوبه ، ولا يؤاخذه عليها ، * ( ويُعْظِمْ لَه أَجْراً ) * أي : ويضاعف له حسناته ، ويجزل له العطاء والمثوبة يوم القيامة . ثم أمر - سبحانه - الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء المطلقات ، ونهاهم عن الإساءة إليهن بأي لون من ألوان الإساءة فقال : * ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ . . . ) * والخطاب للرجال الذين يريدون فراق أزواجهن ، والضمير المنصوب في قوله * ( أَسْكِنُوهُنَّ ) * يعود إلى النساء المطلقات . و * ( مِنْ ) * للتبعيض ، والوجد : السعة والقدرة . أي : أسكنوا المطلقات في بعض البيوت التي تسكنونها والتي في وسعكم وطاقتكم إسكانهن فيها . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( أَسْكِنُوهُنَّ ) * وما بعده : بيان لما شرط من التقوى في قوله : * ( ومَنْ يَتَّقِ اللَّه يُكَفِّرْ عَنْه سَيِّئاتِه . . . ) * كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات ؟ فقيل : * ( أَسْكِنُوهُنَّ ) * . فإن قلت : فقوله : * ( مِنْ وُجْدِكُمْ ) * ما موقعه ؟ قلت : هو عطف بيان لقوله * ( مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ) * ، وتفسير له ، كأنه قيل : أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه . والسكنى والنفقة : واجبتان لكل مطلقة . وعند مالك والشافعي : ليس للمبتونة إلا السكن ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد : لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها أبتّ طلاقها ، فقال لها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « لا سكنى لك ولا نفقة . . . » « 1 » . ثم أتبع - سبحانه - الأمر بالإحسان إلى المطلقات ، بالنهى عن إلحاق الأذى بهن فقال : * ( ولا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ . . . ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 558 .