سيد محمد طنطاوي

42

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

النشاط ، يقال : فكه الرجل فكها ، وفكاهة فهو فكه وفاكه . إذا طاب عيشه ، وزاد سروره ، وعظم نشاطه ، وسميت الفاكهة بهذا الاسم لتلذذ الإنسان بها . * ( بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ووَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) * أي متلذذين بسبب ما آتاهم ربهم من جنات عظيمة ، ووقاهم - سبحانه - بفضله ورحمته العذاب الذي يؤلمهم . ويقال لهم فضلا عن ذلك على سبيل التكريم : * ( كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئاً ) * أي : كلوا أكلا مريئا ، واشربوا شربا هنيئا . والهنيء من المأكول والمشروب : مالا يلحقه تعب أو سوء عاقبة . وقوله : * ( مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ) * منصوب على الحال من فاعل * ( كُلُوا ) * أو من الضمير المستكن في قوله * ( جَنَّاتٍ ) * . أي : هم في جنات عظيمة ، حالة كونهم متكئين فيها على سرر موضوعة على صفوف منتظمة ، وعلى خطوط مستوية ، والسّرر : جمع سرير وهو ما يجلس عليه الإنسان للراحة . وقوله : * ( وزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) * بيان لنعمة أخرى من النعم التي يتلذذون بها . أي : وفضلا عن كل ذلك ، فقد زوجناهم بنساء جميلات . وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين ، قد أكرمهم اللَّه - تعالى - بكل أنواع النعيم ، من مسكن طيب ، ومأكل كريم ، ومشرب هنيء ، وأزواج مطهرات من كل سوء . ثم بين - سبحانه - أنواعا أخرى من تكريمه - تعالى - لهم ، فقال : * ( والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) * . والآية الكريمة بيان لحال طائفة من أهل الجنة - وهم الذين شاركتهم ذريتهم الأقل عملا منهم في الإيمان - إثر بيان حال المتقين بصفة عامة . والاسم الموصول مبتدأ ، وخبره جملة * ( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) * . والمراد بالذرية هنا : ما يشمل الآباء والأبناء وقوله : * ( واتَّبَعَتْهُمْ ) * معطوف على * ( آمَنُوا ) * . وقوله * ( بِإِيمانٍ ) * متعلق بالاتباع ، والباء للسببية أو بمعنى في . ومعنى : * ( أَلَتْناهُمْ ) * أنقصناهم . يقال : فلان ألت فلانا حقه يألته - من باب ضرب - إذا بخسه حقه . والمعنى : والذين آمنوا بنا حق الإيمان واتبعتهم ذريتهم في هذا الإيمان ، ألحقنا بهم ذريتهم ، بأن جمعناهم معهم في الجنة ، وما نقصنا هؤلاء المتبوعين شيئا من ثواب أعمالهم ، بسبب إلحاق ذريتهم بهم في الدرجة ، بل جمعنا بينهم في الجنة . وساوينا بينهم في العطاء - حتى ولو كان