سيد محمد طنطاوي
43
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بعضهم أقل من بعض في الأعمال - فضلا منا وكرما . قال الإمام ابن كثير : يخبر - تعالى - عن فضله وكرمه ، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه : أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان ، يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم ، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم ، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه ، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل ، ولا ينقص ذاك من عمله ومنزلته . للتساوي بينه وبين ذاك . ولهذا قال : * ( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) * . عن ابن عباس قال : إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن في درجته ، وإن كانوا دونه في العمل ، لتقر بهم عينه ، ثم قرأ هذه الآية . وفي رواية أخرى عنه قال - عندما سئل عن هذه الآية - : هم ذرية المؤمنين يموتون على الإيمان ، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا « 1 » . وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى تنكير الإيمان ؟ قلت : معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة ، ويجوز أن يراد : إيمان الذرية الداني المحل ، كأنه قال : بشيء من الإيمان ، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم « 2 » . قال الجمل : والذرية هنا تصدق على الآباء والأبناء ، فإن المؤمن إذا كان عمله الصالح أكثر ألحق به من هو دونه في العمل أبا كان أو ابنا ، وهذا منقول عن ابن عباس وغيره . وعن ابن عباس - أيضا - يرفعه إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إذا دخل أهل الجنة الجنة ، سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده ، فيقال : إنهم لم يدركوا ما أدركت ، فيقول : يا رب إني عملت لي ولهم ، فيؤمر بإلحاقهم به » « 3 » . وقوله : * ( كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) * أي : كل إنسان مرهون بعمله عند اللَّه - تعالى - فإن كان عمله صالحا سعد وفاز ، وأطلق نفسه من كل ما يسوؤها ويحزنها ، وإن كان غير ذلك جوزي على حسب عمله وسعيه . والتعبير بقوله * ( رَهِينٌ ) * للإشعار بأن كل إنسان مرتهن بعمله ، حتى لكأن العمل بمنزلة الدّين ، وأن الإنسان لا يستطيع الفكاك منه إلا بعد أدائه .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 408 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 411 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 216 .