سيد محمد طنطاوي

409

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فآمنت ، وأشرتم على بأن أعطى زكاة مالي فأعطيت . . ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم . وفي حديث أخرجه أحمد والشيخان . . أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دعاهم ليستغفر لهم ، فلووا رؤسهم . . « 1 » . وقوله : * ( يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ . . . ) * مجزوم في جواب الأمر ، وهو قوله : * ( تَعالَوْا ) * وقوله : * ( لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ) * جواب * ( إِذا ) * . والتعبير بقوله : * ( تَعالَوْا ) * تتضمن إرادة تخليص هؤلاء المنافقين مما هم فيه من ضلال ، وإرادة ارتفاعهم من انحطاط هم فيه إلى علو يدعون إليه ، لأن الأصل في كله « تعال » أن يقولها من كان في مكان عال ، لمن هو أسفل منه . والتعبير بقوله - تعالى - ، * ( ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) * يرسم صورة بغيضة لهم وهم يتركون دعوة الناصح لهم ، بعناد وتكبر وغرور ، وبراهم الرائي بعينه وهم على تلك الصورة المنكرة ، التي تدل على جهالاتهم وإعراضهم عن كل خير . وقوله - سبحانه - : * ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ . . ) * تيئيس له صلى اللَّه عليه وسلم من إيمانهم ، ومن قبولهم للحق . ولفظ « سواء » اسم مصدر بمعنى الاستواء ، والمراد به الفاعل . أي : مستو ، ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر ، كما في قوله - تعالى - : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ . . . أي : مستوية . أي : إن هؤلاء الراسخين في الكفر والنفاق ، قد استوى عندهم استغفارك لهم وعدم استغفارك ، فهم لتأصل الجحود فيهم صاروا لا يفرقون بين الحق والباطل ، ولا يؤمنون بثواب أو عقاب . . . ولذلك فلن يغفر اللَّه - تعالى - لهم مهما حرصت على هدايتهم وصلاحهم . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) * تعليل لانتفاء المغفرة من اللَّه - تعالى - لهم . أي : لن يغفر اللَّه - تعالى - لهم ، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن لا يهدى إلى طاعته ، وأن لا يشمل بمغفرته ، من فسق عن أمره ، وآثر الباطل على الحق ، والكفر على الإيمان ، لسوء استعداده ، واتباعه لخطوات الشيطان . وقوله - سبحانه - : * ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا . . . ) *

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 112 .