سيد محمد طنطاوي

410

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كلام مستأنف جار مجرى التعليل لفسقهم ، وحكاية لجانب من أقوالهم الفاسدة . . . والقائل هو عبد اللَّه بن أبي ، كما جاء في روايات أسباب النزول لهذه الآيات ، والتي سبق أن ذكرنا بعضها . ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا ، لأنهم رضوا به ، وقبلوه منه . ومرادهم بمن عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : المهاجرون الذين تركوا ديارهم في مكة ، واستقروا بالمدينة . أي : إن هؤلاء المنافقين لن يغفر اللَّه - تعالى - لهم ، لأنهم فسقوا عن أمره ، ومن مظاهر فسوقهم وفجورهم ، أنهم أيدوا زعيمهم في النفاق ، عندما قال لهم : لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه من فقراء المهاجرين ، ولا تقدموا لأحد منهم عونا أو مساعدة ، حتى ينفضوا من حوله . أي : حتى يتفرقوا من حوله . يقال : انفض القوم : إذا فنيت أزوادهم يقال : نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض ، إذ انتهى زاده . وليس مرادهم حتى ينفضوا ويتفرقوا عنه ، فإذا فعلوا ذلك فأنفقوا عليهم . وإنما مرادهم ، استمروا على عدم مساعدتكم لهم ، حتى يتركوا المدينة ، وتكون مسكنا لكم وحدكم . وقوله - سبحانه - : * ( ولِلَّه خَزائِنُ السَّماواتِ والأَرْضِ ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ) * . والخزائن : جمع خزينة ، وهي ما يخزن فيها المال والطعام وما يشبههما ، والمراد بها أرزاق العباد التي يمنحها اللَّه - تعالى - لعباده . أي : وللَّه - تعالى - وحده لا لأحد غيره ، ملك أرزاق العباد جميعا : فيعطى من يشاء ، ويمنع من يشاء ، ولكن المنافقين لا يفقهون ذلك ولا يدركونه ، لجهلهم بقدرة اللَّه - تعالى - ، ولاستيلاء الجحود والضلال على نفوسهم . ثم حكى - سبحانه - قولا آخر من أقوالهم القبيحة فقال : * ( يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ . . . ) * . والقائل هو عبد اللَّه بن سلول ، ولكن القرآن نسب القول إليهم جميعا لأنهم رضوا بقوله ، ووافقوه عليه . وجاء الأسلوب بصيغة المضارع ، لاستحضار هذه المقالة السيئة ، وتلك الصورة البغيضة لهؤلاء القوم . والأعز : هو القوى لعزته ، بمعنى أنه يغلب غيره ، والأذل هو الذي يغلبه غيره لذلته وضعفه .