سيد محمد طنطاوي
398
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي سورة النساء نجد آيات متعددة تتحدث عن قبائحهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه ، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً . وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّه وإِلَى الرَّسُولِ ، رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً . أما سورة « التوبة » فهي أكثر السور حديثا عنهم ، ولذا سميت بالفاضحة لأنها فضحتهم على رؤس الأشهاد ، كما سميت بالمنقرة ، لأنها نقرت عما في قلوبهم ، وكشفت عنه ، كما سميت بالمبعثرة لأنها بعثرت أسرارهم . . « 1 » . والحق أنه لا تكاد تخلو سورة من السور المدنية ، من الحديث عن المنافقين وعن سوء سلوكهم وأخلاقهم . ووجوب ابتعاد المؤمنين عنهم . 4 - والنفاق إنما يظهر ويفشو حيث تكون القوة ، لذا لم يكن للمنافقين أثر في العهد المكي ، لأن المؤمنين كانوا قلة مستضعفين في الأرض ، ومن كان هذا شأنه لا ينافقه الناس ، فضلا عن أن مشركي مكة كانوا بطبيعتهم جبابرة ، وكانوا يعلنون حربهم على الدعوة الإسلامية إعلانا سافرا . لا التواء معه ولا مداهنة . أما المؤمنون في العهد المدني ، فقد كانوا أقوياء خصوصا بعد أن أسسوا دولتهم ، وانتصروا على المشركين في غزوة بدر . . كما انتصروا على اليهود . . فظهرت حركة النفاق في المدينة ، لمداهنة المؤمنين ، وللحصول على نصيبهم من الغنائم التي يغنمها المؤمنون . . ولغير ذلك من الأسباب التي ذكرها العلماء والمؤرخون . . . « 2 » . وسورة « المنافقون » فضحت أحوالهم ، وكشفت عن دخائلهم وعن خسة نفوسهم . . وختمت بموعظة المؤمنين ، وبحثهم على الإنفاق في سبيل اللَّه ، وعلى تقديم العمل الصالح ، الذي ينفعهم في دنياهم وفي آخرتهم . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر مساء الثلاثاء : 10 من شوال سنة 1406 ه 17 / 6 / 1986 م د . محمد سيد طنطاوي
--> ( 1 ) راجع مقدمة تفسيرنا لسورة التوبة . ( 2 ) راجع على سبيل المثال كتاب : ( سيرة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ) ج 2 ص 176 للأستاذ محمد عزت دروزة .