سيد محمد طنطاوي
385
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال ابن جرير : وبلغنا أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار . . » « 1 » . وقال ابن كثير : وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قال أبو جهل - لعنه اللَّه - : إن رأيت محمدا عند الكعبة ، لآتينه حتى أطأ عنقه . قال : فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار . ولو خرج الذين يباهلون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا « 2 » . وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : * ( ولا يَتَمَنَّوْنَه أَبَداً ) * أي : بسبب ما قدموا من الكفر ، وقد قال لهم صلى اللَّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه » فلو لا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد فما تمالك أحد منهم أن يتمنى ، وهي إحدى المعجزات - لأنها إخبار بالغيب وكانت كما أخبر - . فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت ؟ قلت : لو تمنوا لنقل ذلك عنهم ، كما نقلت سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام ، أكثر من الذر ، وليس أحد منهم نقل عنه ذلك . . . « 3 » . هذا ، ويكفى في تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم بذلك ، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل في طريق دعوته . . ولا يقدح في هذه المعجزة ، أن ينطق يهودي بعد العهد النبوي بتمني الموت ، وهو حريص على الحياة ، لأن المعنيين بالتحدي هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي . والمقصود بقوله - تعالى - : * ( واللَّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) * التهديد والوعيد . أي : واللَّه - تعالى - عليم علما تاما بأحوال هؤلاء الظالمين ، وسيعاقبهم العقاب الذي يتناسب مع ظلمهم وبغيهم . فالمراد من العلم لازمه ، وهو الجزاء والحساب . . وعبر - سبحانه - هنا بقوله : * ( ولا يَتَمَنَّوْنَه . . . ) * وفي سورة البقرة بقوله : ولَنْ يَتَمَنَّوْه . . . . للإشعار بأنهم يكرهون الموت في الحال وفي المستقبل كراهة شديدة .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 1 ص 427 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 144 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 531 وج 1 ص 225 .