سيد محمد طنطاوي
386
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأن يخبرهم بأنهم لا مفر لهم من الموت ، مهما حرصوا على الهروب منه . فقال - تعالى - : * ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه ، فَإِنَّه مُلاقِيكُمْ . . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت ، ويزعمون أنهم أحباب اللَّه ؟ . . قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت : إن الموت الذي تكرهونه ، وتحرصون على الفرار منه ، لا مهرب لكم منه ، ولا محيص لكم عنه ، فهو نازل بكم إن عاجلا أو آجلا كما قال - سبحانه - أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . . . . فالمقصود بهذه الآية الكريمة إخبارهم بأن هلعهم من الموت مهما اشتد لن يفيدهم شيئا ، لأن الموت نازل بهم لا محالة . . . ثم بين - سبحانه - أنهم بعد الموت ، سيجدون الجزاء العادل فقال : * ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - : إن الموت نازل بكم لا محالة . ثم بعد هلاككم سترجعون إلى اللَّه - تعالى - الذي يعلم السر والعلانية ، والجهر والخفاء ، فيجازيكم على أعمالكم السيئة ، بما تستحقونه من عقاب . فالمراد بالإنباء عما كانوا يعملونه ، الحساب على ذلك ، والمجازاة عليه . وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - في سورة البقرة : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّه خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . ولَنْ يَتَمَنَّوْه أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ، ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ، وما هُوَ بِمُزَحْزِحِه مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ، واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ « 1 » . وبعد هذا التوبيخ والتحدي لليهود الذين زعموا أنهم أولياء للَّه من دون الناس . . وجه - سبحانه - للمؤمنين نداء أمرهم فيه بالمسارعة إلى أداء فرائضه ونهاهم عن أن تشغلهم دنياهم عن ذكره وطاعته ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) راجع تفسيرنا لسورة البقرة الآية 96 ص 214 .