سيد محمد طنطاوي

377

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الرسول الكريم أرسلناه إليهم ، ليقرأ عليهم آيات اللَّه - تعالى - التي أنزلها عليه لهدايتهم وسعادتهم ، متى آمنوا بها ، وعملوا بما اشتملت عليه من توجيهات سامية . . وأرسلناه إليهم - أيضا - ليزكيهم ، أي : وليطهرهم من الكفر والقبائح والمنكرات وليعلمهم الكتاب ، بأن يحفظهم إياه ، ويشرح لهم أحكامه ، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ومعانيه . وليعلمهم - أيضا - الحكمة . أي : العلم النافع المصحوب بالعمل الطيب وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بضمير اسم الجلالة ، لتربية المهابة في النفوس ، ولتقوية ما اشتملت عليه من نعم وأحكام ، إذ هو - سبحانه - وحده الذي فعل ذلك لا غيره . وعبر - سبحانه - بفي المفيدة للظرفية في قوله - تعالى - : * ( فِي الأُمِّيِّينَ ) * . للإشعار بأن هذا الرسول الكريم الذي أرسله إليهم ، كان مقيما فيهم ، وملازما لهم ، وحريصا على أن يبلغهم رسالة اللَّه - تعالى - في كل الأوقات والأزمان . والتعبير بقوله : * ( مِنْهُمْ ) * فيه ما فيه من دعوتهم إلى الإيمان به ، لأن هذا الرسول الكريم ، ليس غريبا عنهم ، بل هو واحد منهم شرفهم من شرفه ، وفضلهم من فضله . . وهذه الآية الكريمة صريحة في أن اللَّه - تعالى - قد استجاب دعوة نبيه إبراهيم - عليه السلام - عندما دعاه بقوله : رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . . « 1 » . وقد جاء ترتيب هذه الآية الكريمة وأمثالها في أسمى درجات البلاغة والحكمة ، لأن أول مراحل تبليغ الرسالة ، يكون بتلاوة القرآن ، ثم ثنى - سبحانه - بتزكيه النفوس من الأرجاس ، ثم ثلث بتعليم الكتاب والحكمة لأنهما يكونان بعد التبليغ والتزكية للنفوس . ولذا قالوا : إن تعليم الكتاب غير تلاوته ، لأن تلاوته معناها ، قراءته قراءة مرتلة ، أما تعليمه فمعناه : بيان أحكامه ، وشرح ما خفى من ألفاظه وأحكامه . . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على جملة من الصفات الجليلة التي منحها - سبحانه - لنبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال الناس قبل بعثته صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * .

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 129 .