سيد محمد طنطاوي

362

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : * ( واللَّه مُتِمُّ نُورِه ولَوْ كَرِه الْكافِرُونَ ) * بشارة للمؤمنين بأن ما هم عليه من حق ، لا بد أن يعم الآفاق . أي : واللَّه - تعالى - بقدرته التي لا يعجزها شيء ، متم نوره ، ومظهر دينه ومؤيد نبيه صلى اللَّه عليه وسلم ولو كره الكافرون ذلك فإن كراهيتهم لظهور دين اللَّه - تعالى - لا أثر لها ولا قيمة . فالآية الكريمة وعد من اللَّه - تعالى - للمؤمنين ، بإظهار دينهم ، وإعلاء كلمتهم ، لكي يزيدهم ذلك ثباتا على ثباتهم ، وقوة على قوتهم . ثم أكد - سبحانه - وعده بإتمام نوره ، وبين كيفية هذا الإتمام فقال : * ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَه بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه . . . ) * . والمراد بالهدى : القرآن الكريم : المشتمل على الإرشادات السامية ، والتوجيهات القويمة ، والأخبار الصادقة ، والتشريعات الحكيمة . والمراد بدين الحق : دين الإسلام الذي هو خاتم الأديان . وقوله : * ( لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه ) * من الإظهار بمعنى الإعلاء والغلبة بالحجة والبرهان ، والسيادة والسلطان . والجملة تعليلية لبيان سبب هذا الإرسال والغاية منه . والضمير في « ليظهره » يعود على الدين الحق ، أو على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أي : هو اللَّه - سبحانه - الذي أرسل رسوله محمدا صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن الهادي للتي هي أقوم . وبالدين الحق الثابت الذي لا ينسخه دين آخر ، وكان هذا الإرسال لإظهار هذا الدين الحق على سائر الأديان بالحجة والغلبة . * ( ولَوْ كَرِه الْمُشْرِكُونَ ) * ذلك ، فإن كراهيتهم لا أثر لها في ظهوره ، وفي إعلائه على جميع الأديان . ولقد أنجز اللَّه - تعالى - وعده ، حيث جعل دين الإسلام ، هو الدين الغالب على جميع الأديان ، بحججه وبراهينه الدالة على أنه الدين الحق الذي لا يحوم حوله باطل . هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التي تؤيد ذلك ، ومنها : ما ثبت في الصحيح عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللَّه زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 349 .