سيد محمد طنطاوي

361

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ولا أحد أشد ظلما من إنسان يختلق الكذب من عند نفسه على دين اللَّه - تعالى - وشريعته ، والحال أن هذا الإنسان يدعوه الداعي إلى الدخول في دين الإسلام الذي لا يرتضى اللَّه - تعالى - سواه دينا . * ( واللَّه ) * - تعالى - * ( لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * إلى ما فيه فلاحهم ، لسوء استعدادهم ، وإيثارهم الباطل على الحق . ثم بين - سبحانه - ما يهدف إليه هؤلاء الظالمون من وراء افترائهم الكذب على الدين الحق ، فقال - تعالى - : * ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّه بِأَفْواهِهِمْ ) * . والمراد بنور اللَّه : دين الإسلام الذي ارتضاه - سبحانه - لعباده دينا ، وبعث به رسوله صلى اللَّه عليه وسلم وقيل المراد به : حججه الدالة على وحدانيته - تعالى - وقيل المراد به : القرآن . . وهي معان متقاربة . والمراد بإطفاء نور اللَّه : محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه ، بكل وسيلة يستطيعها أعداؤه ، كإثارتهم للشبهات من حول تعاليمه ، وكتحريضهم لمن كان على شاكلتهم في الضلال على محاربته . والمراد بأفواههم : أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التي تنطق بما لا وزن له من الكلام . والمعنى : يريد هؤلاء الكافرون بالحق ، أن يقضوا على دين الإسلام ، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التي جاء بها النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم ، من غير أن يكون لها مصداق من الواقع تنطبق عليه ، أو أصل تستند إليه ، وإنما هي أقوال من قبيل اللغو الساقط المهمل الذي لا وزن له ولا قيمة . قال صاحب الكشاف : مثّل حالهم في طلبهم إبطال نبوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالتكذيب ، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبثق في الآفاق يريد اللَّه أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة ، ليطفئه بنفخه ويطمسه « 1 » . والجملة الكريمة فيها ما فيها من التهكم والاستهزاء بهؤلاء الكافرين ، حيث شبههم - سبحانه - في جهالاتهم وغفلتهم ، بحال من يريد إطفاء نور الشمس الوهاج ، بنفخة من فمه الذي لا يستطيع إطفاء ما هو دون ذلك بما لا يحصى من المرات .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 265 .