سيد محمد طنطاوي
332
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ما يكون من اختلال أمرنا ، وسوء الأحوال ، كي لا يكون شيء من ذلك فاتنا للذين كفروا . . أي : يزيدهم كفرا ، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على الحق « 1 » . وقوله : * ( واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * أي : واغفر لنا يا ربنا ذنوبنا ، إنك أنت الغالب الذي لا يغالب ، الحكيم في كل أقواله وأفعاله . وقوله - سبحانه - : * ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّه والْيَوْمَ الآخِرَ ) * تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك : * ( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ ) * والغرض من هذا التأكيد ، تحريض المؤمنين على التأسي بالسابقين في قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم . أي : لقد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة ، وقدوة طيبة ، في أبيكم إبراهيم - عليه السلام - وفيمن آمن به ، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو لقاء اللَّه - تعالى - ورضاه ، ومن كان يرجو ثوابه وجزاءه الطيب . وجئ بلام القسم في قوله : * ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ . . ) * على سبيل المبالغة في التأكيد بوجوب التأسي بإبراهيم ، وبمن آمن معه . وجملة * ( لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّه والْيَوْمَ الآخِرَ ) * بدل من قوله * ( لَكُمْ ) * بدل اشتمال . وفائدة هذا البدل : الإيذان بأن من يؤمن باللَّه واليوم الآخر ، لا يترك الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - وبمن آمن معه ، وأن ترك ذلك من علامات عدم الإيمان الحق . كما ينبئ عنه التحذير في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( ومَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) * . أي : ومن يعرض عن هذا التأسي ، فوبال إعراضه عليه وحده ، فإن اللَّه - تعالى - هو الغنى عن جميع خلقه ، الحميد لمن يمتثل أمره . والمتدبر في هذه الآيات الكريمة ، من أول السورة إلى هنا ، يجد أن اللَّه - تعالى - لم يترك وسيلة للتنفير من موالاة أعدائه ، إلا أظهرها وكشف عنها . ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته وفضله ، فبشرهم بأنه قد يهدى إلى الإسلام قوما من الأعداء الذين تربط بينهم وبين المؤمنين رابطة الدم والقرابة وحدد لهم القواعد التي عليها يبنون مودتهم وعداوتهم لغيرهم ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 28 ص 139 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور .