سيد محمد طنطاوي

331

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا ، وإليك وحدك قبول توبتنا ، وإليك لا إلى أحد سواك مرجعنا ومصيرنا . * ( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) * والفتنة هنا مصدر بمعنى المفتون ، أي : المعذب ، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها . أي : يا ربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين ، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده ، كما قال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ . . . أي : عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم . ويصح أن يكون المعنى : يا ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، بأن تعذبنا بأيديهم ، فيظنوا بسبب ذلك أنهم على الحق ، ونحن على الباطل ، ويزعموا أننا لو كنا على الحق ما انتصروا علينا . ولبعض العلماء رأى آخر في فهم هذه الآية ، وهو أن المراد بالفتنة هنا : اضطراب حال المسلمين وفساده . وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم في وجوه الخير . . . فيكون المعنى : يا ربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة . فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا ، بحجة أنه لو كان دينا سليما ، لظهر أثر ذلك على أتباعه ، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وتأخر . قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله : * ( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) * . الفتنة : اضطراب الحال وفساده ، وهي اسم مصدر ، فتجيء بمعنى المصدر ، كقوله - تعالى - : والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . وتجيء وصفا للمفتون والفاتن . ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا : جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون . ويصدق - أيضا - بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا . أي : بسبب محبتهم والتقرب منهم . وعلى الوجهين ، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول . . واللام في « للذين كفروا » على الوجهين - أيضا - للملك ، أي : مفتونين مسخرين لهم . ويجوز عندي أن تكون « فتنة » مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أي : لا تجعلنا فاتنين ، أي : سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى : لا تغلب الذين كفروا علينا ، واصرف عنا