سيد محمد طنطاوي
326
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والأرحام : جمع رحم والمراد بهم الأقارب ، الذين كان بعض المؤمنين يوالون المشركين من أجلهم . أي : منكم - أيها المؤمنون - من أفشى أسراركم للكافرين ، خوفا على أقاربه أو أولاده الذين يعيشون في مكة مع هؤلاء الكافرين ، والحق أنه لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم القيامة ، لأنه في هذا اليوم * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * أي يفرق بينكم وبين أقاربكم وأولادكم يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ وكما قال - سبحانه - : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه ، وأُمِّه وأَبِيه ، وصاحِبَتِه وبَنِيه ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه . وخص - سبحانه - الأولاد بالذكر مع أنهم من الأرحام ، لمزيد المحبة لهم - والحنو عليهم . قال الشوكاني : ، وجملة * ( يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم . ومعنى * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * يفرق بينكم ، فيدخل أهل طاعته الجنة . ويدخل أهل معصيته النار ، وقيل : المراد بالفصل بينهم ، أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول . . قيل : ويجوز أن يتعلق * ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * بما قبله . أي : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ، فيوقف عليه ، ويبتدأ بقوله * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * والأولى أن يتعلق بما بعده - أي : يفصل بينكم يوم القيامة ، فيوقف على * ( أَوْلادُكُمْ ) * ويبتدأ بيوم القيامة « 1 » . وقراءة الجمهور * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * - بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد - على البناء للمجهول . وقرأ عاصم * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * بفتح الياء وكسر الصاد - على البناء للفاعل ، وقرأ حمزة والكسائي * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر - بالبناء للفاعل - أيضا - . وقرأ ابن عامر * ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) * - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الفتح - على البناء للمجهول . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * أي : واللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، بل هو مطلع عليها اطلاعا تاما وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه من ثواب أو عقاب . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من الآيات الكريمة ما يأتي :
--> ( 1 ) فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 211 .