سيد محمد طنطاوي

327

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

1 - أن هذه الآيات أصل في النهى عن موالاة الأعداء ومصافاتهم بأية صورة من الصور ، وشبيه بها قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّه عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً « 1 » . وقوله - سبحانه - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا . وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ « 2 » . 2 - أن هذه الآيات الكريمة تتجلى فيها رحمة اللَّه - تعالى - بعباده المؤمنين ، حيث ناداهم بهذه الصفة مع وقوع بعضهم في الخطأ الجسيم ، وهو إفشاء أسرار المؤمنين لأعدائهم قالوا : وفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون : إن المعصية تنافى الإيمان . 3 - أن هذه الآيات الكريمة فيها ما فيها من الأساليب الحكيمة في الدعوة إلى الفضائل واجتناب الرذائل ، لأن اللَّه - تعالى - عندما نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم ، ساق لهم الأسباب التي تحملهم على قطع كل صلة بهؤلاء الأعداء . بأن ذكر لهم أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحق ، وحرصوا على إخراج الرسول والمؤمنين من ديارهم ، وأنهم إن يتمكنوا من المؤمنين ، فسينزلون بهم أشد ألوان الأذى . وهكذا يجب أن يتعلم الدعاة إلى اللَّه - تعالى - أن على رأس الوسائل التي توصلهم إلى النجاح في دعوتهم ، أن يأتوا في دعوتهم بالأسباب المقنعة لاعتناق الحق ، واجتناب الباطل . 4 - أن هذه الآيات الكريمة صريحة في أن ما يتعلق بالدين والعقيدة ، يجب أن يقدم على ما يتعلق بالأرحام والأولاد ، لأن الأرحام والأولاد لن تنفع يوم القيامة ، وإنما الذي ينفع هو ما يتعلق بالاستجابة لما يفرضه الدين علينا من واجبات وتكاليف . وبعد هذا النهى للمؤمنين عن موالاة أعداء اللَّه وأعدائهم . . ساقت لهم السورة الكريمة ، جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام - الذي تبرأ من كل صلة تربطه بغيره سوى صلة الإيمان ، وإخلاص العبادة للَّه - تعالى - ، وأمرتهم بأن يقتدوا به في ذلك لينالوا رضا اللَّه - عز وجل - فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 144 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 118 .